Untitled Document
Untitled Document
مفاهيم يجب أن تصحح

مفاهيم يجب أن تصحح

مفاهيم يجب أن تصحح

 

بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

 

الحمد لله خلق الإنسان في أحسن تقويم , والصلاة والسلام على إمام المربين وقائد الغر الميامين , سيدنا ونبينا وقرة أعيننا , محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن والاه واقتفى أثره إلى يوم الدين ,,,

 

أيها الإخوة الحضور الكرام :

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته , وحديثي إليكم اليوم هو بعنوان

                                

( مفاهيم يجب أن تصحح )

وهذه المفاهيم أيها الإخوة الأعزاء, للأسف, قد زاد انتشارها ونما أوارها بين أبنائنا الشباب , ولذا أستسمحكم أن نتكلم عن أهمية الشباب بالنسبة لكل أمة من الأمم , وأهميتهم بالنسبة للمجتمعات الإسلامية خاصة .

إنهم فلذات الأكباد, وثمرات القلوب , وعماد البيوت , وصيانة الأعراض, وركائز المجتمع, ودروع الأمة, وأملها المتجدد .

الشباب هم القلب النابض للأمة , والدماء المتدفقة في عروقها , وهم الحصن المنيع الذي تتحطم عليه سهام الأعداء, وهم العدة يوم اللقاء إذا اشتد أوار المعارك, هم الثروة التي لاتقدر بثمن مهما غلت الأثمان وارتفعت القيم , فلا يمكن لأمة من الأمم أن تنهض وترقى إلا على أكتاف شبابها وقوتهم وعزيمتهم . إن أمة لا شباب أصحاء لها, لهي أمة عاجزة, نخرتها الشيخوخة, وأعجزها الكِبَر , فآذنت شمسها بالغروب.

 

أيها الإخوة الكرام :

لقد ضرب شباب الصحابة والتابعين وتابعيهم أروع الأمثلة في البطولة والفداء والسلوك والأخلاق الكريمة لنشر دين الله ولتكون كلمة الله هي العليا , وكان جل صحابة رسول الله r من الشباب, وأي شباب ؟! يكفي أنهم تربوا وتخرجوا من مدرسة محمد صلى الله على محمد , إنهم من أمثال علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص ومصعب بن عمير وأسامة بن زيد والنعمان بن مقرن وعبد الله بن العباس وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن مسعود و. . . وغيرهم ممن لا يتسع المجال لحصرهم وذكر مآثرهم , وكل واحد منهم له تاريخ مشرق وصفحة ناصعة البياض في ِسفر تاريخ الإسلام المجيد . ويكفيهم فخرا ما وصفهم الله عز وجل به (( محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا, سيماهم في وجوههم من أثر السجود, ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار, وعد الله الذين آمنوا منهم مغفرة وأجرا كريما)) الفتح/29

 

أيها الإخوة في الله :

لقد أدرك الناس في قديم الدهر وحديثه, ما للشباب من دور أساسي في بناء حضارة الأمة , فعملوا على العناية بهم في شتى المجالات الفكرية والتربوية والاجتماعية والأخلاقية , إيمانا من كل واحد بضرورة تعاهد الغراس من أول إنباته؛ حتى لا تميله  ريح الرذيلة فينمو معوجا لا فائدة منه . كما أدرك العقلاء في كل أمة الآثار والنتائج الضارة من انحراف الشباب والعواقب الوخيمة على حاضر الأمة ومستقبلها. يقول الأستاذ مصطفى صادق الرافعي: " إن الشباب هو القوة , لأن الشمس لا تشرق بعد الظهر بقدر ما تسطع في الصباح , وفي الشباب ضرب من الحياة يبدو الموت معها وكأنه سبات من النوم , والشجرة تثمر في شبابها ؛ وبعد فوات الشباب لا تعطي الأشجار سوى الخشب ."

 

إخوة الإسلام :

إن كلاً منا يرى ويبصر الحياة التي يعيشها كثير من أبنائنا اليوم , من واقع أليم, يدمي القلوب المؤمنة ويحزن  النفوس المتألمة : فمنهم من امتطى صهوة  طريق الغواية والضلال , وسلك مسلك الرذيلة والانحلال(( زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا )) آل عمران/14(( قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد)) آل عمران/15

  مثـّل وقـوفـك أيها المغــرور  ***  يـوم القـيامـة والسمـاء تمـور

  ماذا تقول إذا وقفت بمـوقـف  ***  فردا وجـاءك منـكـر ونـكـيــر

  ماذا تقول إذا وقفت بمـوقـف  ***  فردا ذليلا والحسـاب عـسـيـر

 وتعلقت فيك الخصوم وأنت في***  يوم الحساب مسلسل مجــرور

 وحشـرت عريانا حزينا باكيا   ***  قلقا ومالك في الأنام مجيــــر

  مـهد لنفسك حجـة تنجـو بها   ***  يوم المعاد ويوم تبدو العــور

 ومنهم من ألجأته ردة الفعل فتمسك بالتعاليم والقيم متخذا بها أقصى سبل التطرف والشدة والتنطع , حتى زاغ عن الطريق وانحرف , نعم لقد أصبح كثير من شبابنا يعيشون رحلة ضياع , إلا من رحم ربك.

  رضوا بالأماني وابتسلوا بحظوظهم  ***  وخاضوا بحور الجد دعوى فما ابتلّوا

إن وضع الشباب اليوم , في الحالتين , ظاهرة مرضية خطيرة تستدعي تكاتف العقلاء المؤمنين من المربين والمصلحين, للنظر في إيجاد أنسب الحلول لعلاجها وردهم إلى فطرتهم التي فطرهم الله عليها , وإلاّ فالنار في الهشيم تلعب, وتؤججها ريح شياطين الإنس من أعداء الإسلام المتربصين: (( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون)) الحديد/16 . ولذا أتوجـه بخطابي إليـكم

 

 

أيها الإخوة الشباب :

إن الشباب هو أجمل ما تملكون في حياتكم , وهو زينتكم في الحياة وبعد الممات, إن تزينتم بزينة الخلق والتقوى , فالطفولة صحة ونشاط, ولكن لا عقل ولا إدراك فيها, والشيخوخة حِكَم وتجارب ولكن لا قوة لها

    إن التجارب للشيوخ وإنما   *  أمل البلاد يكون في شبانها

 الوحيد الذي يمتلك الصحة والقوة والنضج والإدراك هو الشباب , والشباب فترة من العمر محدودة , هي أوج القوة  ومرحلة الأشُد ,قال تعالى: (( الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة)) الروم/54 ثلاث مراحل في حياة الإنسان: طفولة وشباب وشيخوخة.   قال عليه الصلاة والسلام :

 ( لن تزولا قدم عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع : عن عمره فيما أفناه , وعن شبابه فيما أبلاه, وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه , وعن علمه ما ذا عمل به .

إنها أربعة أسئلة , تمثل كل لحظة من لحظات عمرك أخي المسلم , ولكن هل لنا أن نلاحظ السؤالين الأولين : عن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيما أبلاه ؟ إذاً الشباب غير بقية العمر , رغم أنه جزء منه , نعم إن هذه الفترة من عمرك لها خصوصية وسوف تسأل عنها مرتين .

 

اسمحوا لي أيها الإخوة أن أطيل في الكلام عن الشباب قليلا , لأننا مهما تكلمنا عن الشباب ومن أجل الشباب فلن نوفيهم حقهم , لأن حقهم علينا العناية بهم كل العناية , ولأنهم كما ذكرت آنفا هم البناء وأساس البناء وقوام البناء , فبقدر جودة الانتقاء والاختيار في أساس مادة البناء , وبقدر الحرص على اختيار المعلم البنّاء المتميز , بقدر ما نحصل على بناء تتم فيه مواصفات الامتياز .فمواد البناء هم الطفل والأبوان ومن حولهم, والبناؤون هم المربون والمدارس والجامعات ووسائل الثقافة والإعلام .

 

 

لماذا تأخرنا وتقدم غيرنا؟ 

سؤال نطرحه على أنفسنا ونحاول أن نستشف الإجابة عليه من المعلومة التالية:

" لقد أدرك علماء الاجتماع في العالم الغربي قيمة الشباب , فعكفوا على دراسات مكثفة ودقيقة جدًا لتحديد العمر الافتراضي لأمة من الأمم حتى تسقط , أو تصحو وتنهض من كبوتها وتستعيد قوتها , فخرجوا بنتيجة تكاد تصل نسبة نجاحها – أي صحتها – إلى 99% , وهذه الدراسة ملخصها أنهم يدرسون اهتمامات شباب الأمة , فيدخلون إلى مدارسهم وجامعاتهم وأسواقهم وإداراتهم , ويراقبون سلوكياتهم , ويسجلونها ثم يحصونها , ثم تبدأ الدراسة والتحليل , وتظهر النتائج : بأنْ لو كان شباب هذه الأمة ضائعا متسكعا مبهورا بالحضارات الأخرى , ستبقى هذه الأمة ضعيفة 50 سنة قادمة وستبقى تابعة لغيرها , وإذا خرجت الدراسة بنتيجة تقول " إن فتيات ونساء هذه الأمة فارغات لا تشغلهم إلا توافه الأمور , فيستنتجون أن هذه الأمة أمامها100 عام لكي تستعيد قوتها ." والجواب أصبح عندكم أيها الإخوة الحضور .      

 

ولدينا مثال واقعي من التاريخ على حقيقة هذه الدراسة :

فالأندلس , فردوس العرب المفقود , وهو ما يعرف اليوم بإسبانيا, حكمها المسلمون 800 سنة , حاول الافرنج استرجاعها خلال الـ500 سنة الأولى دون جدوى , فبدأوا بتطبيق ما يشبه الفكرة السابقة : أرسلوا جواسيسهم, فتوغلوا بداخل بلاد الأندلس , فجعلوا يراقبون مجموعة من الشباب , وجدوهم مجتمعين على طلب العلم ويتناقشون فيه , يقرأون القرآن والحديث وسائر فنون العلم , فعاد هؤلاء الجواسيس إلى رؤسائهم يقولون لهم : لا يزال الوقت مبكرا لسقوط هذه الأمة . ثم عاودوا الكرة مرة أخرى بعد فترة طويلة , فوجدوا الشباب يتنافسون على تعلم ركوب الخيل وأصول الكر والحرب , ويتنافسون في العبادة والعلم , فعاد الجواسيس ليقولوا لقادتهم : لو دخلتم الآن لتحققت هزيمتكم .

وفي المرة الثالثة يقول أحد الجواسيس : دخلت الأندلس فوجدت اثنين من الشباب يبكيان , فسألتهما ما بالكما ؟ أجاب أحدهما : حبيبتي هجرتني وأبكي لفراقها !!!

يقول الجاسوس : فعدت إلى رؤسائي أقول لهم : آن الأوان لاسترجاع الأندلس . .

وبضياع الشباب ضاع الأندلس .(( أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس , كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها؟)) الأنعام/122

 

ونرجع إلى ديننا وثقافتنا لنسترشد منها حدود هذه الظاهرة , فالقرآن العظيم يجسد قيمة الشباب العظيمة , فيتحدث لنا عن قصة نبي كريم شاب , يقول تعالى: (( يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا )) مريم/12 , هو صبي صغير, لكن لفظ القرآن يبين لنا الأمر مقرونا بالقوة , وهكذا يفترض أن يكون الشاب قويا جادا في الأمور التي تناط به غير متخاذل ولا متهاون ولا ضعيف .

 وسيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام , قام بعمل فائق البطولة , إذ هدم أصنامهم وكسرها بحكمة تظهر في تعليقه الفأس على كتف كبير الأصنام , قال تعالى (( سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم )) الأنبياء/60 , إنها الفتوة المؤمنة بربها تتصرف وفق ما يرضي ربها, لم يكن إبراهيم عليه السلام شابا صغيرا يتصرف تصرفا طائشا , لما سألوه ! !

(( قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم ؟ )) الأنبياء/62 أجابهم جوابا من صلب المنطق (( قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون )) الأنبياء/63 جواب تعجيزي, لا يمكن للعقلاء إلا أن يعترفوا بقصور عقولهم عن إدراك الحقائق لما هم فيه من التيه والضلال .

 وفي سورة الكهف في قصة الفتية الذين فروا بدينهم , يقول المولى عز وجل  (( إذ أوى الفتية إلى الكهف )) لما خافوا قومهم أن يفتنوهم عن دينهم أووا إلى الكهف فآواهم الله (( إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى )) الكهف/13

وقلب الله لهم نواميس الكون لأنهم فتية آمنوا بربهم (( وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه ذلك من آيات الله )) الكهف/17.

أيها الإخوة الشباب:

إن الشباب هو الفتوة وهو المرحلة الثمينة من العمر و حيث القوة والتوقد وانفساح الأمل وتوثب العزيمة , إنكم بأمس الحاجة إلى الإصغاء الجيد إلى قول العلماء العقلاء الأتقياء الذين يخافون الله فيكم وفي أمتكم , ولا تستنكروا إنْ أُعيد عليكم التذكير مرارا وتكرارا , فإن نبينا محمدا r كان يقول الكلام ويكرره على مسامع أصحابه , لكي يستقر الأمر في الأذهان ويعقله الجنان , كما أنكم بأمس الحاجة إلى التبصير المتوالي بعثرات الطريق , التي قد تعشو عنها الأبصار بسبب مدلهمات الفتن , والتي قد يعجلهم عن إدراكها شدة الحماس أحيانا , وقلة التجربة والخبرة أحيانا أخرى .

  الفرص طير سانحة , لا يتصيدها إلا صياد ماهر , فكونوا صيادين ماهرين, واصطادوا العمل الصالح في شبابكم تجدونه مدخرًا لكم عند مليككم :

(( أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون * فتعالى الله الملك الحق لا إله هو رب العرش الكريم)) المؤمنون/115-116  ورحم الله من يقول:

  بكيت على الشباب بدمع عيني    *    فلم يغنِ البكاء ولا النحيب

  أيها الإخوة الحضور :

       أيها الشباب :  

أنتم الآن أمامكم الفرصة وفسحة الأمل ومتسع الوقت, فلا تضيعوها فيصيبكم , لا سمح الله , ما أصاب من قال الله فيهم (( ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل , أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير, فذوقوا فما للظالمين من نصير)) فاطر/37 . إنهم يطلبون الرجوع إلى الحياة التي نعيشها الآن كي يصححوا المسار, ولكن هيهات هيهات , لقد قُرعت الأجراس وانتهت فترة الاختبار , وفُرزت الأوراق وظهرت النتائج (( فذوقوا فما للظالمين من نصير))

إذاً لنصحح المسار من الآن, قبل أن لا ينفع الندم , ولاة ساعة مندم .

 

فكيف يكون التصحيح والإصلاح ؟

خطرات نضعها بين أيديكم لعل فيها الرشد والهداية :

 نحن قلنا في البداية: إن معظم الشباب ذهب بين إفراط وتفريط , بين غلو في التمسك والتزمت , مما حدا به أن ينظر إلى غيره بازدراء لأنهم برأيه منحرفون, فجعل يقذف بالتهم ويلقي بالأوصاف النابذة جذافا, وفريق آخر انحل وتحلل من كل القيم وانحدر يجري وراء الشهوات يتبع كل رذيلة ويبتعد عن كل فضيلة . وهذان الصنفان من الشباب هما الأشد خطرا على الأمة ومستقبلها . ولا بد من العلاج ! آتونا بأطباء أصحاء يعالجون الشباب حتى لا يعظم الانحدار ويتم السقوط ! ؟

لو قالت صحيفة من الصحف أو وكالة من وكالات الأنباء : إن في قرية كذا من قرى فرنسا أو في إفريقيا أو في أي بلد من بلاد العالم تفشى مرض من الأمراض المعدية الفتاكة . . . فما ذا يعمل الناس؟ ! إن عامة الناس والحكومات والدول تأخذ الحيطة والحذر , وتبدأ على الفور باتخاذ خطوات مشددة لمراقبة القادمين والمسافرين والبضائع وكل ما يمكن أن ينقل هذا المرض الفتاك , ِلوقف تسلله إلى البلاد . مع العلم أن هذا المرض لم يحل بنا ولم يصل إلينا بعد ! ! إذاً فما بالنا بهذه الأمراض الفتاكة التي سرت وتسري ليل نهار بين شبابنا ؟ ولا نكاد نلقي لها بالا ! ! إنها التحلل من الدين والأخلاق , إنها التسرب والانصياع وراء الشهوات والملذات : شهوة الجنس شهوة الطعام والشراب , وراء المخدرات وراء الخمر وراء أفلام الفديو كليب وراء . . وراء . . غيرها مما يدمر الأخلاق ويوئِدها...

كلمتي إلى هؤلاء : ِليسمعوا أو ِليقرأوا  أو ليبلغهم كلامي بأي طريقة كانت حيثما كانوا , أقول لهم إن الشباب في حياة الإنسان مجموعة طاقات متأججة مندفعة , فإن كانت موجهة نحو الاستقامة والخير, تهيأ للأمة كلها وتجمع من هذه الطاقات الخير الكثير , أما إن تُركت لتتجه نحو الانحراف والبغي , تهيأ للأمة كلها من هذه الطاقات شر وبيل . ولذلك أوضح رسول اللهr في حديث" سبعة يظلهم الله تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله " وعدد منهم: " إمام عادل وشاب نشأ في طاعة الله": أن أجر الناشئ المستقيم على طاعة الله تعالى يلي أجر الحاكم العادل مباشرة , وفي الحديث إشارة إلى أن الشاب الناشئ على عبادة الله له من الإشعاع المؤثر على مجتمعه إصلاحا وتقويما ما يقارب الطاقة التي يملكها الحاكم , للإصلاح والتقويم , فذاك بطاقته الذاتيه وهذا بصلاحياته المكتسبة , ولا ريب أن العكس صحيح فإن الشاب المنحرف في سلوكه له من التأثير الضار على مجتمعه ما يقارب التأثير السيئ الذي يملكه الحاكم الجائر أو المنحرف في حكمه.

ومن هنا فإن عليك أخي الشاب أن تنظر بعين الضمير والإنسانية إلى كل عمل تريد أن تعمله , وأن تفكر مليا بكل خطوة تريد أن تخطوها قبل أن تنفذها , يجب عليك أن تفكر , ماذا سيحدث لو فعلت ؟ وماذا يترتب على فعلي هذا من أضرار لي ولأمتي ؟

إنك إن فعلت هذا, إن دخلت في سلسلة التفكير هذه, قطعا بإذن الله لن ترتكب المحظور ولن تقع في المحذور .  

وفي الجانب الآخر من المعادلة الشبابية : شباب أرادوا التمسك بدينهم وعقيدتهم ولكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم , نظروا, هداهم الله, لمن حولهم من المسلمين ولما هم فيه من التقصير , فظنوه فسوقا في  الدين , ونظروا إلى غيرهم من طلبة العلم ممن انتهجوا نهجا غير نهجهم , فظنوه ابتداعا في الدين , واستطالت أعناقهم فنظروا إلى الحكام والدول ومن فيها وما فيها من مخالفات في تحكيم شرع الله فظنوه كفرا , وأتبعوا ذلك الحكم على العلماء فكفروهم وبدَّعوهم وفسّقوهم , فوقعوا فيما هو أضر وأشد شرا . ومن هنا نشأت فكرة موضوعنا اليوم

                                " مفاهيم يجب أن تصحح "

ما هي المفاهيم التي يجب أن تصحح ؟

وقبل الإجابة على هذا السؤال , نسأل أنفسنا سؤالا آخر وهو

كيف دلفت هذه المفاهيم إلى العقول ؟ وكيف تكونت ؟ وما أسباب ذلك ؟

  فالجواب عليه ذو شقين : الأول يتعلق بالمعلمين والمربين , والثاني يتعلق بالمتلقين الذين  حَمَلوا ما لم يُحمَّلوا , أو أخذوه بمفهوم خاطئ .

 ولو رجعنا إلى تراث ديننا وعقيدتنا , الذي هو معين لا ينضب , لوجدنا ما يثلج الصدر ويسر القلب ويبعث في النفس الانشراح والاطمئنان .

سأنقل لكم بعضا مما ذكره الإمام أحمد بن محمد المقدسي أحد علماء الحنابلة في القرن الثامن في كتابه مختصر منهاج القاصدين :

قال رحمه الله : " أما المتعلم فينبغي له تقديم طهارة النفس عن رذائل الأخلاق ومذموم الصفات , إذ العلم عبادة القلب.  وينبغي له قطع العلائق الشاغلة, فإن الفكرة متى توزعت قصرت عن إدراك الحقائق . وكان السلف يؤثرون العلم على كل شيء , فروي عن الإمام أحمد أنه لم يتزوج إلا بعد الأربعين, حتى لا ينشغل عن طلب العلم. وعلى المتعلم أن يلقي زمامه إلى المعلم إلقاء المريض زمامه إلى الطبيب, فيتواضع له , ويبالغ في خدمته . وقد كان ابن عباس رضي الله عنهما يأخذ بركاب زيد بن ثابت رضي الله عنه ويقول: هكذا أُُُُمِِِِِرنا أن نفعل بالعلماء . ومتى تكبر المتعلم أن يستفيد ممن وصف بالتقدم عليه , فهو جاهل , لأن الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها أخذها .

 قال الإمام علي رضي الله عنه " إن من حق العالم عليك أن تسلم على القوم عامة وتخصه بالتحية , وأن تجلس أمامه , ولا تشير عنده بيدك, ولا تغمز بعينيك, ولا تكثر عليه السؤال , ولا تعينه في الجواب, ولا تلح عليه إذا كسل , ولا تراجعه إذا امتنع , ولا تفش له سرا , ولا تغتابن عنده أحدا, ولا تطلبن عثرته, وإن زل قبلت معذرته , ولا تقولن له سمعت فلانا يقول كذا, ولا أن فلانا يقول خلافك , ولا تصفن عنده عالما , ولا تعرضن عن طول صحبته , ولا ترفع نفسك عن خدمته , وإذا عرضت له حاجة سبقت القوم إليها , فإنما هو بمنزلة النخلة تنتظر متى يسقط عليك من ثمرها شيء.

وينبغي أن يحترز الخائض في العلم في مبتدأ الأمر من الإصغاء إلى اختلاف الناس, فإن ذلك يحير عقله ويفتر ذهنه . وينبغي له أن يأخذ من كل شيء أحسنه , لأن العمر لا يتسع لجميع لعلوم . ثم يصرف من جماع وقته إلى أشرف العلوم ,  وهو العلم المتعلق بالآخرة , الذي يحصل به اليقين ." ا. هـ (( والآخرة خير وأبقى ))

  في الزمن الحاضر , كثر بين طلبة العلم التهجم على غيرهم ممن يرونهم بنظرهم على غير منهجهم , فيسارعون إلى رميهم بالكفر أو التبديع أو التفسيق من غير تثبت ولا تروي ولا وقوف على حقائق, وهذا والعياذ بالله من أعظم الخطأ والزلل , فمعظم هذه الأحكام مبنية على الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا . وفي الأثر " بئس مطية القوم زعموا , وكره لكم قيل وقال "

ويتبعون ذلك بما يعهدونه من النصيحة عندهم , وهي عند البعض ليست بنصيحة بل أقرب إلى الفضيحة وتنقل إلى الآخرين على سبيل الشكوى فتغدو غيبة , ويحلون ذلك بقولهم :" تعال نغتب في الله " وهذا مثله مثل من يقول :" نحن لانكذب على رسول الله بل نكذب لرسول الله "  فالله ورسوله أغنى وأجل من أن يحتاجا إلى من يكذب لهما أو يغتاب لهما والدين من هذا الفعل الزائغ براء . وأما مفهوم الهجر , الذي شرعه رسول الله r للفت النظر والعتاب بين المسلمين للتعاون على الحق والرجوع إلى الحق , فقد اتخذه البعض عقوبة زجر وإهانة لمن خالف هوى نفوسنا ومصالحنا ومبادئ حزبياتنا الضيقة , أصبح الهجر ليس لله ورسوله , بل حسب مقايسات الأهواء .

وأما مفهوم الولاء والبراء فقد شدد فيه لأبعد الحدود : فالولاء لله , لكتاب الله لسنة رسول الله للإسلام , والبراء من الشرك ومن النفاق , ولكن لا يعني هذا أن أعادي أي أخ مسلم لأجل عيب أو زلة ظهرت منه وأنسى كل سابقة له من حسنات وخيرات, فقد يكون فعله هذا عن خطأ أو عن جهل أو . . . فالنبي r يقول:  كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون .         

ومفهوم إنكار المنكر يراه البعض تصحيح أو قطع رأس ! ! سبحان الله العظيم ! رسول الله r يقول خلاف ذلك , يقول r :" من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ." وأجمع أهل العلم على أن إنكار المنكر على درجات ثلاث لأصناف ثلاثة : الدرجة الأولى إنكار المنكر باليد وهي لولاة الأمر الذين قلدهم الله أمر رعاية المسلمين , الدرجة الثانية إنكار المنكر باللسان وهي لمن ولاه ولي الأمر ذلك وكلفه به من العلماء وطلبة العلم الذين يوظفون لهذا الأمر , والدرجة الثالثة إنكار المنكر بالقلب, وهي أن يقول: اللهم هذا منكر لا أرضى به ومن ثم يبتعد عن أهل هذا المنكر ولا يجاريهم في منكرهم ولا يقرهم عليه . وكل تلك العمليات يجب أن تتحلى بالصبر والأسلوب الحسن والبعد عن التنفير ولا يفعل كما يفعل البعض: ينشر القلاقل وينفر من الآخر , فيقولون فلان من الناس مبتدع لا تصلوا خلفه, فلان مخرف! فلان عقيدته غير سليمة ! فلان , , , هلا شققتم عن قلبه؟

 هذه مفاهيم مغلوطة , يجب أن يترفع عنها طالب العلم .

يقول الله عز وجل (( وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به , ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم , ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا )) النساء/83  فهذا إرشاد من الله عز وجل لكل مسلم وخاصة طالب العلم إلى ما هو أولى وإلى ما ينبغي أن يعملوه اتقاءً للفتن ودرءا للشبهات , وصيانة للحرمات . وما فشت تلك الأفكار وعششت في عقول بعض الشباب إلا من قلة العلم وقلة مراجعة العلماء في المسائل العلمية الدقيقة , ومن تسَّرُّع بعض طلبة العلم بإصدار الفتاوى والأحكام من غير تأكد ومراجعة أقوال السلف وأئمة العلم في المسألة . ومن أمثلة ذلك الكثير : مثل مسألة رمي إنسان بالكفر مجرد حلف بالنبي r , مع العلم أن بعض أهل العلم أباحوا الحلف بالكعبة و القرآن والنبي, لأن الله عظم هذه الأشياء , وقالوا لا مانع أن نعظم بالحلف ما عظم الله سبحانه, ولا يتعارض هذا مع الحديث " من كان حالفا فليحلف بالله أو ليذر " إذ أنت تعظم ما عظم الله . ومثل مسألة المجاز العقلي في القرآن . ومثل الواسطة بين الخالق والمخلوقين . ومثل مسألة الشفاعة . وأمثلة كثيرة مبثوثة في كتب أهل العلم منذ سلف الأمة إلى يومنا هذا . والمسائل الخلافية قد اتفقوا على عدم التكفير فيها .

 قال بعض  العلماء : "وقد انعقد الإجماع على منع تكفير أحد من أهل القبلة إلا بما فيه نفي الصانع القادر جل وعلا, أو شرك جلي لا يحتمل التأويل أو إنكار النبوة أو إنكار ما علم من الدين بالضرورة أو إنكار متواتر أو مجمع عليه ضرورة من الدين"  والمعلوم من الدين بالضرورة كالتوحيد والنبوات وختم الرسالة بمحمد r والبعث والحساب والجزاء والجنة والنار , وهذه من المسلمات بالضرورة ويكفر جاحدها, ولا يعذر أحد من المسلمين بالجهل بها إلا من كان حديث عهد في الإسلام فإنه يعذر إلى أن يتعلم ولا يعذر بعدها .

ويؤثر عن إمام الحرمين قوله:" لو قيل لنا : فَصِّلوا ما يقتضي التكفير من العبارات مما لا يقتضي , لقلنا : هذا طمع في غير مطمع, فإن هذا بعيد المدرك وعر المسلك يستمد من أصول التوحيد , ومن لم يحظ بنهايات الحقائق لم يتحصل من دلائل التكفير على وثائق."

 لذلك نحذر كل التحذير من المجازفة بالتكفير في غير المواطن المجمع على التكفير فيها.

    ثم نرجع إلى قول المقدسي رحمه الله تعالى ونلخص منه ما يلي :

فهذه وظائف المتعلم .

وأما المعلم فعليه وظائف (واجبات) أيضاً :

ــ من ذلك الشفقة على المتعلمين, وأن يجريهم مجرى بنيه , ولا يطلب على إفاضته العلم أجرا , ولا يقصد به جزاء ولا شكورا, بل يعلم لوجه الله تعالى , ولا يرى لنفسه منة على المتعلمين, بل يرى الفضل لهم إذ هيئوا قلوبهم للتقرب إلى الله تعالى بزراعة العلم فيها , فلا ينبغي أن يطلب المعلم الأجر إلا من الله سبحانه .

ومنها أن لا يدخر من نصح المتعلم شيئا , وأن يزجره عن سوء الأخلاق بطريق التعريض مهما أمكن, لا على وجه التوبيخ , فإن التوبيخ يهتك حجاب الهيبة .

ــ ومنها أن ينظر في فهم المتعلم ومقدار عقله , فلا يلقي إليه ما لا يدركه فهمه ولا يحيط به عقله , فقد جاء في الأثر عن علي رضي الله عنه:" وحدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذَّب الله ورسوله " أخرجه البخاري في صحيحه تعليقا 1/199 . ومنه قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه " ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة ."

ــ ومنها أن يكون المعلم عاملا بعلمه , ولا يكذب قوله فعله , قال تعالى: ((أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون)) البقرة/44. وقال الإمام علي رضي الله عنه " قصم ظهري رجلان : عالم متهتك وجاهل متنسك. " ا.هـ  

ــ ومنها على العلماء أن يكونوا متنبهين لطلبتهم وما يصدر عنهم من أفكار قد تكون مبنية على الظن؛ وقلة الاطلاع على آراء المجتهدين والعلماء المتبحرين : مثل قضايا التكفير والتفسيق  والتبديع , و لا يمكن لإنسان مسلم ملتزم أن يكون كافرا أو فاسقا أو مبتدعا لحاجة سيئة في نفسه , إذ قد يكون جاهلا الحكم , أو لم يصله, أو لم يقف على دليل , فلا بد للعلماء أن يوضحوا هذه الأمور لطلبتهم حتى لا يقعوا في المحظور , لأن من كفر مسلما فقد كفر .

 ومثلها قضايا الجهاد ومفهوم الجهاد التي استغلها أعداء الإسلام وألصقوا بالإسلام والمسلمين تهمة الإرهاب الدولي .

 

 وهنا لا بد أن نعطي لمحة عن مفهوم الجهاد في الإسلام ومفهوم الإرهاب الدولي:

 

 

مفهوم الجهاد ومفهوم الإرهاب

 

من محاضرة لأستاذنا معالي الدكتور عبد الله عبد المحسن التركي , أقتطف لكم بعض ما يوضح هذين المفهومين . يقول حفظه الله:

إن موضوع الإرهاب ينقسم إلى قسمين : قسم عن الإرهاب , وقسم آخر عن موقف الإسلام منه ,  ولا شك أن الموضوع في غاية الأهمية , ومن أهم الموضوعات التي ينبغي أن تنال العناية الكافية , من حيث إيضاح الحقائق وبيان الرؤية الإسلامية الصحيحة , ومناقشة الخلط والالتباس الذي قد يوجد لدى البعض.

المعنى المتداول حاليا في وسائل الإعلام سواء كانت عالمية أو عربية بعبارة مختصرة هو ( الإجرام المنظم الذي يستهدف النيل والإساءة إلى الأنفس والممتلكات المعصومة ويسعى لتحقيق أهداف غير مشروعة , سواء كانت الأهداف سياسية أو غير سياسية , فهو ليس عملا فرديا , ولكنه عمل منظم , وهو جريمة باعتبار واقعها واعتبار نتائجها , وهو يستهدف أنفسا وممتلكات معصومة ويسعى لتحقيق أهداف غير مشروعة .) هذا مجمل معناه حسبما يتداول في وسائل الإعلام , وإن كان القانون الدولي والمختصون فيه لم يتفقوا على تعريف الإرهاب .

ورد في كتاب الله الكريم قوله تعالى (( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم )) الأنفال/60 , كلمة( ترهبون) استغلها أعداء الإسلام ليقولوا : إن الإسلام يدعم الإرهاب , وألصقوا تهمة الإرهاب بالإسلام , من خلال هذه الآية الكريمة , ومن خلال خلطهم في معنى مفهوم الجهاد في سبيل الله. وأي إنسان مطلع على كتب التفسير يدرك أن هذه الآية الكريمة جاءت في سياق التعامل مع نَقَضَة العهد , قال تعالى (( الذين عاهدتم ثم ينقضون عهدهد في كل مرة وهم لا يتقون )) الأنفال/56  وقال تعالى ((وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء )) الأنفال/58 وجاء بعد هذه الآية (( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم )) أي تخيفون هؤلاء الأعداء الذين ينقضون العهد ونخشى منهم الاعتداء عليكم , فالآية هنا تعني بالإرهاب (الردع) والردع هنا معروف , وليس من أمة إلا ولها قوة ردع , وكل دول العالم لها وزارات دفاع ولديها جيوش , ولديها إمكانات تخيف عدوها حتى لا يستبيح بيضتها , وهذا أمر مطلوب في الشرع وفي دين الله , لأنه يعني أن يكون لدى المسلمين قوة تجعل أعداءهم لا يفكرون في الاعتداء عليهم . إذن الآية لها معنى يختلف تماما عن معنى الإرهاب المتداول أو المصطلح المتداول حاليا .

إلى أن يقول حفظه الله :

    هذا مايتعلق بمفهوم الإرهاب , وهناك نقطة لا بد أن يقف الإنسان عندها وهي ما يتعلق بالفرق بين الجهاد في سبيل الله والإرهاب , ومع الأسف نجد أن هناك خلطا حتى لدى بعض المسلمين , ولذلك تقع حوادث إرهابية من بعض المنتسبين إلى الإسلام , وقد يفسرون ويؤولون عملهم بأنه نوع من الجهاد , وأي إنسان مطلع على شريعة الإسلام وعلى أحكام الجهاد وعلى الآيات الكريمة التي نزلت وعلى السيرة النبوية وعلى الغزوات والسرايا التي وقعت في عهد الرسول r وحتى في عهد الصحابة والخلفاء الراشدين ومن بعدهم , يدرك الفرق الكبير بين الجهاد والإرهاب , وأنه لا يمكن أن يلتقي الجهاد مع الإرهاب إطلاقا , الجهاد له أحكامه , الجهاد ضد معتدين, ضد محاربين, له أحكام تنظمه , يعلن من قبل الإمام إذا وجدت الدواعي والأسباب, فهو أمر مشروع حتى في القوانين الدولية الحالية , فالقوانين الدولية : لديهم أحكام تعتبر الدفاع عن النفس والجهاد لتحرير الوطن والجهاد ضد العدو أمرا مشروعا .

 أما الإرهاب فهو يختلف تماما , فحينما يختطف الإنسان طائرة أو سفينة وفيها عدد من الناس , بقصد أن يسيء إلى دولة من الدول أو منظمة من المنظمات , فما ذنب هؤلاء الأبرياء؟ فالإرهاب عمل إجرامي يتجه لأنفس معصومة ولممتلكات معصومة, والجهاد في سبيل الله معلن وليس خفي , له أحكامه حتى في التعامل في أثناء الحرب : يقام الجهاد ويعلن من قبل إمام المسلمين لغايات دفاعية وغايات تتعلق بإعلاء كلمة الله ونشر الإسلام . طبعا لا نتفق مع من يقول إن الإسلام يُكره الإنسان لدخول الدين , لكن أي إنسان أو أي فئة تحول دون نشر هذا الدين وهو الإسلام ودعوة الله الخاتمة للبشر يشرع الجهاد لمقاومة هذه الفئة , لأنها تحجب رسالة الله الخاتمة عن أن تنتشر وتصل إلى عباد الله , الجهاد حقق مصالح دينية ودنيوية , الجهاد مرتبط بالسياسة الشرعية , والمسئول عنها هو ولي الأمر الإمام , وهو يختلف تماما عن حالات الإرهاب .

المستشرقون شوهوا السيرة النبوية وشوهوا أحكام الإسلام وتكلموا عن الجهاد في سبيل الله وشوهوه , حتى منهم من قال : إن هؤلاء المسلمين يجاهدون لتوسيع سلطانهم وللمال والغنائم وأشياء كثيرة , وجاء الخلط بين الجهاد والإرهاب , واعتبروا أن الجهاد نوع من الإرهاب , واتهم الإسلامي بالإرهابي , وخاصة أن بعض المنتسبين إلى الإسلام يمارسون أعمالا إرهابية , هذه الممارسة تعين الأعداء في اتهامهم لهذا الدين , إذن تلك الممارسة من قبل بعض من ينتسبون للإسلام تصب في خانة أعداء الدين وأعداء الإسلام والمسلمين.

وتكلم معاليه حفظه الله عن الشق الثاني من هذا الموضوع وهو موقف الإسلام من الإرهاب, ونختصر منه ما يلي :

لا علاقة للإسلام بالإرهاب , ولا إرهاب بالإسلام , الإسلام هو رسالة الله إلى الناس, وهو دين الله لكل الأنبياء , والله تعالى الحكيم بعباده والخبير بمصالحهم, يشرع لهم ما فيه الخير والسعادة والرحمة والسماحة والبر والتعاون , وعندما يتحدث المفسرون عن قوله تعالى (( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين )) الأنبياء/107 يقولون بأن الرحمة هي عنوان الرسالة المحمدية , بمعنى أن رسالة الإسلام حصرت بالرحمة, وحينما ينظر الإنسان في أصناف الإرهاب , يجد أنها بكل أصنافها حرمها الإسلام , ووضع لمرتكبيها عقوبات صارمة, واعتبرها محاربة لله ولرسوله r , قال تعالى (( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض , ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم , إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم )) المائدة/33-34 . وأقرب الأحكام الشرعية المناسبة لحالات الإرهاب هي آية الحرابة وحكم الحرابة , لأن مسألة الإرهاب تجمع بين القتل والخروج عن طاعة ولي الأمر وإخافة الناس والإفساد في الأرض , وهي كلها محرمة حرمة قطعية . فالله عز وجل يقول (( ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق )) الإسراء/33 , فإذاً قتل النفس من الأمور المحرمة حرمة قطعية في شريعة الإسلام , وترويع المؤمنين أمر محرم , لا يحل لمسلم أن يروع مسلما .

فهذه أمور حُرْمَتُُُها قطعية في الكتاب والسنة , ولذلك من يطلع على هذه الأحكام يدرك تماما أن الإسلام بعيد كل البعد عما يتعلق بالإرهاب .

ولا بد أن نعرج قليلا على أسباب الإرهاب في البلاد الإسلامية , دع عنك غير الإسلامية .

إن من أهم الأسباب هو جهل الإنسان بهذا الدين , إذ لو كان عنده معرفة بأحكام الله وبالطريقة التي ينبغي أن يتعامل الإنسان المؤمن مع إخوانه المسلمين ومع غير المسلمين . لو كان عنده علم حقيقي لما ارتكب هذه الجرائم , فالجهل سبب أساسي, لأن الجهل يجعل الإنسان يتصور الأمور على غير حقيقتها , ولذلك أوجب الله على المسلم أن يتعلم , والعلم مقدم على العمل .

ومن اسباب الإرهاب أو الوقائع الدافعة للإرهاب الغلو في الدين , فرسالة الإسلام والحمد لله وسط لا تفريط ولا إفراط (( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس )) البقرة 143 فالغلو في الدين من أسباب الإرهاب في أي مجتمع من المجتمعات,  والنبي r حذرنا من الغلو في الدين " إياكم والغلو في الدين , إياكم والغلو في الدين, إياكم والغلو في الدين ," إنما أهلك من كان قبلكم الغلو " " هلك المتنطعون "

فالغلو هو تجاوز الحد , سواء في فهم النص أو في التعامل مع النص أو في تطبيق النص .

 كذلك اتباع الإنسان هواه , إذ قد يكون لدى الإنسان علم ومعه ضلال , فيتبع هواه ويبتعد عن الحق لغاية في نفسه , جاءته إما من شهوة أو من شبهة .

ومن هذه الأسباب ينتج سبب آخر مهم جدا ألا وهو البعد عن العلماء الثقات, لأن الشيطان زين له ما في نفسه من هوى , فهويه وهوى به في ظلمات الزيغ والضلال, فاستحل عمل الإرهاب واتخذه منهجا يسير عليه.

قد يسأل سائل : كيف السبيل إلى التخلص من الإرهاب ؟

يقول في الجواب حفظه الله:

لاشك أن الخطوة الأولى للوقاية من الإرهاب هي تحصين الناس وتحصين الشباب على وجه الخصوص ضد ممارسة الإرهاب, وضد أفكار الإرهاب , وضد التطرف وضد الغلو . يحصنون من قبل العلماء, من قبل وسائل الإعلام ,من قبل المؤسسات الثقافية في المجتمع , من قبل الأسرة . لأن الشباب إذا لم يحصن ولم تُكَوَّنْ لديه قناعة ذاتية يؤمن بحقائق نتائج الإرهاب وانعكاساته على الأمة , فإنه سيمارس الجريمة .

ومن أهم ما ينبغي أن يحصن الشباب به ما يتعلق بالأحكام الشرعية التي تتصل بالعلاقة بين المحكوم والحاكم وأهمية السمع والطاعة لولي الأمر , والحرمة القطعية لمن يسعى للتفرقة بين الأمة والجماعة وهي مجتمعة , قال تعالى(( ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)) النساء/59 قرن الله طاعة ولي الأمر بطاعة الله ورسوله r , وذلك لأن الأمن لن يتحقق إلا بالطاعة, إلا باجتماع الكلمة,

قال عليه الصلاة والسلام " من خرج عن الطاعة وفارق الجماعة فمات, مات ميتة الجاهلية " وقالr: " من قاتل تحت راية عمية يدعو إلى عصبية أو ينصر عصبية أو يعضد عصبية أو ينصر عصبية فقتل, فقتلة جاهلية "

مسألة الاجتماع واتحاد الكلمة والسمع والطاعة لولي الأمر من أهم القضايا التي ينبغي أن توضح للناس وللشباب وللناشئة, حتى تكون راسخة في أذهانهم , وحتى تكون معتقدا يؤمنون به في قلوبهم .

ولا يخفى أن بعض هذه الأفكار يكون منقولاً خطأ على لسان العلماء: إما بقصد التشويش أو لعدم فهم الناقل بالمقصود , أو لأغراض أخرى , كما جاء في رسالة الشيخ محمد بن عبد الوهاب, رحمه الله, الموجهة لأهل القصيم , حيث يقول :

" ثم لا يخفى عليكم أنه بلغني أن رسالة سليمان بن سحيم  قد وصلت إليكم وأنه قَبِلَها وصدقها بعض المنتمين للعلم في جهتكم , والله يعلم أن الرجل افترى عليّ أمورا لم أقلها ولم يأت أكثرها على بالي , فمنها قوله : إني مبطل كتب المذاهب الأربعة , وإني أقول : إن الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء, وإني أدعي الاجتهاد , وإني خارج عن التقليد , وإني أقول : إن اختلاف العلماء نقمة, وإني أكفر من توسل بالصالحين , وإني أكفر البوصيري لقوله : يا أكرم الخلق, وإني أقول : لو أقدر على هدم قبة رسول اللهr لهدمتها و. . .. جوابي عن هذه المسائل : أن أقول: (( سبحانك هذا بهتان عظيم )) .

وهذا كما نرى إمام من أئمة الدعوة السلفية , كيف افتري عليه في هذه الأشياء وفي غيرها (( إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله ))

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . 

 والحمد لله رب العالمين . . .

       

 

 

نسخة للطباعة

Untitled Document
 
( القائمة الرئيسية )
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
Untitled Document
تصويت الشهر

Warning: require() [function.require]: Unable to access /home/dawaweb/public_html/vote/booth.php in /mounted-storage/home8c/sub048/sc72714-CODL/motamani.com/pool.php on line 30

Warning: require(/home/dawaweb/public_html/vote/booth.php) [function.require]: failed to open stream: No such file or directory in /mounted-storage/home8c/sub048/sc72714-CODL/motamani.com/pool.php on line 30

Warning: require() [function.require]: Unable to access /home/dawaweb/public_html/vote/booth.php in /mounted-storage/home8c/sub048/sc72714-CODL/motamani.com/pool.php on line 30

Warning: require(/home/dawaweb/public_html/vote/booth.php) [function.require]: failed to open stream: No such file or directory in /mounted-storage/home8c/sub048/sc72714-CODL/motamani.com/pool.php on line 30

Fatal error: require() [function.require]: Failed opening required '/home/dawaweb/public_html/vote/booth.php' (include_path='.:/usr/share/php5/') in /mounted-storage/home8c/sub048/sc72714-CODL/motamani.com/pool.php on line 30