Untitled Document
Untitled Document
حرمة قتل المستأمنين

خطبة الجمعة

اقرأ ثم قرر

خطبة يوم الجمعة بتاريخ 16/4/1425هـ

للشيخ سعد بن عبدالله البريك   حفظــه الله

 

حرمة قتل المستأمنين :

 

       الأمان هو عهد بالسلامة من الأذى بأن تؤمن غيرك أو يؤمنك غيرك وهو تعهد بعدم إلحاق الضرر من جهتك إليه ولا من جهته إليك .

       من لحاق الضرر من كل منهم للآخر ولا ممن وراءه . قال تعالى (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَه) .

       والأمان كما يقول الكمال بن الهمام : هو نوع من المواعدة .

من له إعطاء حق الأمان ؟

       الأمان من حق كل مسلم شريفاً كان أو وضيعاً ، فيصح الأمان لآحاد المسلمين رجلاً كان أو امرأة وفي العبد والصبي خلاف . ولا أمان للمجنون ونحوه . قال r : " وذمة المسلمين واحدة فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين " . رواه البخاري ومسلم .

       قال الحافظ في الفتح : ( ذمة المسلمين واحدة : أي أمانهم صحيح ، فإذا أمن الكافر واحد منهم حرم على غيره التعرض له ) .

       عن أم هانئ رضي الله عنها قالت : ذهبتُ إلى رسول الله r قال عام الفتح فوجدته يغتسل وفاطمة ابنته تستره ، قالت : فسلمت عليه ، فقال : " من هذه " ؟ فقلت : أنا أم هانئ بنت أبي طالب فقال : " مرحباً بأم هانئ " ، فلماذا فرغ من غسله قام فصلى ثمان ركعات ملتحفاً في ثوب واحد ، فلمنا انصرف قلت يا رسول : زعم ابن أمي أنه قاتل رجلاً قد أجرته ، فلان بن هبيرة ، فقال رسول الله r: " قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ " ، قالت أم هانئ وكان ذلك ضحى . رواه البخاري ومسلم .

       وفي المغنى : ( ويصح - أي عقد الأمان - من كل مسلم بالغ عاقل مختاراً ذكراً كان أو أنثى حراً كان أو عبداً ) ، وبهذا قال النووي والأوزاعي والشافعي وإسحاق وابن القاسم وأكثر أهل العلم وروي ذلك عن عمر رضي الله عنه .

       وورد في صحة أمان العبد قول النبي r   : " وذمة المسلمين واحدة فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل منه صرف ولا عدل " . رواه البخاري ومسلم .

       وينعقد عقد الأمان بكل لفظ يُفهم منه معناه ، سواء كان صريحاً أو كناية وسواء كان بالكتابة أو الرسالة أو الإشارة .

       وفي فتح الجليل مختصر خليل للشيخ عليش : ( ثم الأمان يكون بلفظ أو إشارة مفهمة من شانها فْهم العدو والأمان منها ، وإن قصد المسلمون بها ضره ، كفتحنا المصحف ، وحلفنا أنا نقتلهم فظن - أي كافر - تأميناً فهو تأمين ) .

       ومن ثم ينطبق ذلك في عصرنا الحاضر على تأشيرة الدخول وعلى دعوات الآحاد من المسلمين التي توجه إلى أناس من المشركين للزيارة ونحوها وعلى عقود العمل أو استقدام الفنيين ونحوهم من قبل شركات يملكها مسلمون وغير ذلك من كل صورة ينطبق عليها التوصيف الشرعي للأمان .

       ومتى انعقد الأمان صار للحربي المستأمن حصانة من إلحاق الضرر به سواء من المسلم المؤمن أو ما غيره من المسلمين أو حتى الذميين ، وتقدم الحديث آنفاً وفيه ، " فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله …

       جاء في المغني لابن قدامة : ( الأمان إذا أعطي أهل الحرب حرم قتلهم ومالهم والتعرض لهم ) .

       مسألة : إذا أعطى غيرُ المسلم على أنه مسلم الأمان لأحد من المشركين ، فلا يحل قتل المستأمن ولكن يُرد إلى مأمنه . فلو أعطى ذمي في دولة الإسلام الأمان لكافر فلا يحل قتل المستأمن الكافر ولكن يرد إلى دولته.

 


حرمة قتل المدنيين الذين ليسوا من أهل المقاتلة والممانعة :

       اختلف العلماء في علة قتال المشركين : هل هي الكفر أم هي الانتصاب للقتال ، أما الجمهور فيرون العلة : الانتصاب للقتال ، وأما الشافعية فيرون أن العلة هي الكفر . وقول الجمهور هو الراجح . فلو كانت العلة هي الكفر فإن هذه العلة موجودة في النساء والرهبان والشيوخ والزمني والأعمى وهؤلاء وردت النصوص بمنع قتلهم في الحرب . قال r  عندما ما مر على المرأة المقتولة : " ما كانت هذه تقاتل " . رواه أحمد في المسند .

       وقال عمر بن الخطاب  رضي الله عنه : ( اتقوا الله في الفلاحين الذين لا ينصبون لكم الحرب ) .

       يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : ( وإذا كان أصل القتال المشروع وهو الجهاد ومقصوده هو أن يكون الدين كله لله وأن تكون كلمة الله هي العليا فمن منع هذا قوتل باتفاق المسلمين ما لم يكن من أهل الممانعة والمقاتلة كالنساء والصبيان والراهب والشيخ الكبير والأعمى والزمني ونحوهم فلا يقتلون عند الجمهور ) .

       شبهة والجواب عنها : أن النبي r  أمر بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب ، وقتلهم هو وسيلة لإخراجهم !! .

الجواب من وجوه :

الوجه الأول :

 هذا الحديث لا يدل على جواز قتل من في جزيرة العرب من اليهود والنصارى والمشركين البتة ، لا بدلالة منطوقة ولا بدلالة مفهومة .

       ولا يدل كذلك على انتقاض عهد من دخل جزيرة العرب من اليهود والنصارى لمجرد الدخول ، ولم نجد من قال بذلك من أهل العلم .

       وغاية ما في هذا الحديث : الأمر بإخراج المشركين من جزيرة العرب ، وهو أمر موكل إلى إمام المسلمين .

       ولا يلزم من الأمر بإخراجهم إباحة قتلهم إذا بقوا فيها ، فهم قد دخلوها بعهد وأمان ، حتى على فرض بطلان العهد ، لأجل الأمر بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب ، فإن الكافر الحربي لو دخل بلاد المسلمين وهو يظن أنه مستأمن بأمان أو عهد لم يجز قتله حتى يبلغ مأمنه أو يعلمه الإمام أو نائبه بأنه لا أمان له .

       فقد ذكر المرداوي في " الإنصاف " ( 10 / 348 - 352 ) عن الإمام أحمد أنه قال : " إذا اشير إليه - أي الحربي - بشيء غير الأمان ، فظنه أماناً ، فهو أمان ، وكل شيء يرى العلج ( أب العدو من الكفار ) أنه أمان غهو أمان ، وقال : إذا اشتراه ليقتله فلا يقتله ، لأنه إذا اشتراه فقد أمنه ، قال الشيخ تقي الدين - يعني ابن تيمية - : يقتضي انعقاده بما ينعقده العلج ، وأن لم يقصده المسلم ، ولا صدر منه ما يدل عليه " أ . هـ .

الوجه الثاني :

       إن الأمر بإخراج المشركين من جزيرة العرب يُحمل على ما إذا لم يحتج المسلمون إليهم في عمل لا يحسنه غيرهم ، أو لا يُستغنى عن خبراتهم فيها .

       ويدل لذلك إقرار النبي r  اليهود على الإقامة بخيبر ليعلموا فيها بالفلاحة ، لعجز الصحابة وانشغالهم عن ذلك .

       ولذلك أبقاهم أبو بكر طيلة حياته ، وعمر صدراً من خلافته ، لحاجة المسلمين إليهم .

       ولما كثر عدد المسلمين في آخر عهد عمر ، وقاموا بشان الفلاحة والزراعة ، استغنوا عن اليهود ونقص بعضهم ذمته ، فأجلاهم عمر رضي الله عنه - إلى الشام .

       يقول الإمام الطحاوي في شرح مشكل الآثار ( 7 / 189 ) بعدما ساق مصالحة رسول الله  r ليهود خيبر على أن لهم الشطر من كل زرع ما بدا لرسول الله أن يبقيهم : ( فلما كان زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه غالوا في المسلمين وغشوهم ورموا ابن عمر من فوق بيته ففدعوا يده - والفدع ميل في المفاصل من عظام اليد - فقال رضي الله عنه : من كان لهم سهم من خيبر فليحرص حتى يقسمها بينهم ، فقال رئيسهم : لا تخرجنا ودعنا نكون فها كما اقرنا رسول الله ، فقال عمر لرئيسهم : أتراه سقط عني قول رسول الله  r لك : كيف بك إذا رقصت بك راحلتك نحو الشام يوماً ثم يوماً ثم يوماً . وقسمها عمر رضي الله عنه بين من كان شهد خيبر يوم الحديبية .

       وقال شيخ افسلام ابن تيمية في الفتاوى " 28 / 88 - 89 " :

       ( لما فتح النبي  r خيبر أعطاها لليهود يعملونها فلاحة ، لعجز الصحابة عن فلاحتها ، لأن ذلك يحتاج إلى سكانها ، وكان الذين فتحوها أهل بيعة الرضوان الذين بايعوا تحت الشجرة ، وكانوا نحو ألف وأربعمائة ، وانضم إليهم أهل سفينة جعفر ، فهؤلاء هم الذين قسم النبي  r بينهم أرض خيبر ، فلو أقام طائفة من هؤلاء فيها لفلاحتها تعطلت مصالح الدين التي لا يقوم بها غيرهم - يعني الجهاد - فلما كان زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وفتحت البلاد ، وكثر المسلمون ، واستغنوا عن اليهود ، فأجلوهم وكان النبي r  قد قال : " نقركم فيها ما شئنا " . وفي رواية : " ما أقركم الله " . وأمر بإجلائهم عند موته  r فقال : " أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب " ، ولهذا ذهب طائفة من العلماء كمحمد بن جرير الطبري إلى أن الكفار ر يقرون في بلاد المسلمين ( الجزيرة ) بالجزية ، إلا إذا كان المسلمون محتاجين إليهم ، فإذا استغنوا عنهم أجلوهم كأهل خيبر ، وفي المسألة نزاع ليس هذا موضعه " .

الوجه الثالث :

       أن المراد بمنع اليهود والنصارى من جزيرة العرب إنما هو استيطانها والإقامة الدائمة بها لا الدخول مدة معينة بالعهد والأمان .

       قال النووي في المنهاج : ( ويمنع كل كافر من استيطان الحجاز ) .

       وقال القاضي أبو يعلي في الأحكام السلطانية : ( وما سوى الحرم منه - أي الحجاز - مخصوص من سائر البلاد بأربعة أحكام :

أحدهما : لا يستوطنه مشرك من ذمي ولا معاهد وجوزه أبو حنيفة ) .

وقال ابن قدامة : ( ولا يجوز لأحد منهم سكنى الحجاز ) .

وقال ابن العثيمين رحمه الله تعالى في الشرح الممتع : ( لا يجوز إقرارهم - أي الكفار - في جزيرة العرب للسكنى ، لأن النبي  rنهى عن ذلك بل قال : " أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب " ولهذا يجب أن نعلم أنه لا يجوز إقرار اليهود والنصارى أو المشركين في جزيرة العرب على وجه السكنى ، أما على وجه العمل فلا بأس ) .

الوجه الرابع :

       أن جزيرة العرب مختلف في تحديدها ، فمن أهل العلم من يحدها من بحر القلزم ( الأحمر ) غرباً وبحر العرب جنوباً وخليج البصرة ( الخليج العربي ) شرقاً ، واختلف أصحاب هذا القول في شمالها وهو المشهور من مذهب مالك وقول أبي حنيفة .

       ومن أهل العلم من يحدها بالحجاز إلى تبوك وهو قول الشافعي وأحمد في المشهور عنه ، ورواية عن مالك ، وهو اختيار ابن تيمية ، واستدلوا على ذلك بأن عمر لم يخرجهم من اليمن وتيماء .

       فعلى هذا القول تكون الكويت والإحساء ونجد ليست من جزيرة العرب.

الكفار أربعة أنواع :

       لا يخلو الكافر من أن يكون أحد أربعة : حربياً ، أو معاهداً ، أو مستأمناً ، أو ذمياً .

 1)  الذمي : هو الكافر الذي يستوطن بلاد الإسلام ، أي يتخذها وطناً ، بالتزام دفع الجزية وجريان أحكام الإسلام عليه ، فهم رعايا الدول الإسلامية من غير المسلمين .

 2)  المعاهد : هو الكافر الذي بين دولتنا ودولته الكافرة عهد وصلح على وضع الحرب مدة معينة أو مطلقة ، كما عاهد النبي  rقريشاً  على وضع الحرب عشر سنين ، فصاروا بهذا الصلح معاهدين .

ومن صور العهد في هذه الأزمنة : الاشتراك في منظمات دولية يلتزم أعضاؤها عدم تعر بعضهم لبعض مدة عضويتهم في هذه المنظمة وتسمى دارهم دار عهد .

 3)  المستأمن : هو الكافر الحربي الذي يدخل بلاد الإسلام بأمان وإذن من مسلم كما في قوله تعالى : (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ) . وقوله   r: " قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ " .

       ومن صور الأمان في هذه الأزمنة : الإذن الرسمي بدخول الدولة ، كالفيزا ، أو كرت الزيارة ، أو ختم دخول ، ونحو ذلك .

       فهؤلاء الثلاثة معصوموا الدم والمال ، لا يحل التعرض لهم ما داموا على هذه الحال .

       الأحاديث في هذا الباب معروفة مشهورة ، كقوله  r : " من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة ، وأن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً " رواه البخاري . وقوله  r : " ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم ، فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً " رواه الترمذي وأبو داود وصححه ابن حبان وغيره .

       وقال أيضاً : " لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده : رواه أبو داود والنسائي وصححه الحاكم .

       وقال سبحانه وتعالى في حق الكافر الذي له ذمة في حكم قتل الخطأ : (وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ) .

       فإذا كان الكافر الذي له أمان إذا قتل خطأ فيه الدية والكفارة ، فكيف إذا قتل عمداً ! فإن الجرم يكون أعظم ، والإثم يكون أكبر كما في الأحاديث السابقة. 

       ولذلك ذهب شيخ الإسلام إلى أن المسلم يقتل بالكافر الذمي إذا قتله غيلة - أي في حال الأمن على سبيل الخديعة - وهو مذهب مالك .

       وكل آية جاءت بتحريم قتل النفس بغير حق : يدخل فيها قاتل الذمي والمعاهد والمستأمن بغير حق كقوله تعالى : ( وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) .

4)    الحربي : وهو كل كافر ليس بذمي ولا معاهد ولا مستأمن ، وهو الأصل في الكفار .

       وهذا النوع من الكفار يحل دمه وماله وعرضه إذا ما وجد في بلادنا بغير أمان إلا ـن يكون أنثى أو صغيراً أو شيخاً كبيراً ، فلا يقتلون .

الفروق بين المستأمن والمعاهد :

       الفرق الأول : أن العهد لا يصلح إلا من الحاكم أو نائبه بخلاف الأمان فإنه يصح من آحاد الرعية .

       الفرق الثاني : أن المعاهد آمن منا مدة عهده أينما وجد ، سواء كان في ديارنا أو ديارهم أو في ديار أخرى ، ولا يحتاج في دخول ديارنا إلى أمان جديد .

       ولذلك دخل أبو سيفان المدينة أثناء الصلح آمناً من غير استحداث أمان جديد .    

       أما المستأمن فهو آمن منا مدة أمانه في ديارنا ، فإذا خرج رجع حربياً فأمنه منا مقيد بوجوده في ديارنا .

 

 

 

Untitled Document
بحوث ودراسات
Untitled Document
 
( القائمة الرئيسية )
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 أرسل دعوى إلى صديقك لقرآءة هذه الصفحة عرض نسخة للطباعة