|
|||||||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||||||
|
الحلقة الحادية عشر عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من كان يؤمن بالله واليوم الآخِر فليَقُل خيراً
أو لِيَصمت , ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخِر , فليُكرِم جاره , ومن كان يؤمن
بالله واليوم الآخِر فليُكرم ضيفه " رواه البُخاري ومسلم . الشرح : قوله صلى الله عليه
وسلم ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخِر ) فليفعل كذا وكذا يدلّ على أنّ هذه
الخِصال من خصال الإيمان ,وقد سَبَق أنّ الأعمال تدخل في الإيمان . وأعمال الإيمان
تارةً تتعلّق بحقوق الله كأداء الواجبات وترك المُحرّمات ,
ومن ذلك قول الخير والصمت عن غيره , وتارةً تتعلّق بحقوق عباده كإكرام الضيف
وإكرام الجار والكفّ عن أذاه , فهذه ثلاثة أشياء يُؤمر بها المؤمن : أحدها قول
الخير والصمت عما سِواه . وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي
الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إنّ الرجل ليتكلّم بالكلمة ما
يتبيّن ما فيها يَزِلّ بها في النار أبعدَ ما بين المشرق والمغرب ". وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله
عليه وسلم قال " إنّ الرجل ليتكلّم بالكلمة من رِضوان الله لا يُلقي لها
بالاً يَرفعه الله بها درجات , وإنّ العبد ليتكلّم
بالكلمة من سَخَطِ الله لا يُلقي لها بالاً يهوي بها في جهنّم " . وقوله صلى
الله عليه سلم ( فليقل خيراً أو ليصمت ) أمرٌ بقول الخير والصمت عما عداه , وهذا يدل على أنه ليس هناك كلامٌ يساوي قوله والصمت عنه
إما أن يكون خيراً فيكون مأموراً بقوله , وإما أن يكون غير خيرٍ فيكون مأموراً
بالصمت عنه .وقد قال الله تعالى ( ما يَلفِظُ من قولٍ إلا لديه رقيبٌ عتيد ) وقد
أجمع السلف الصالح على أنّ الذي عن يمينه يكتب الحسنات والذي عن شماله يكتب السّيئات . فمن هنا يُعلَم أنّ ما ليس بخيرٍ من الكلام فالسكوت
عنه أفضل من التكلّم به , اللهم إلا ما تدعو إليه الحاجة
مما لا بدّ منه . وقد رُوِيَ عن ابن مسعودٍ قال : إياكم
وفضول الكلام , حسب امرئ ما بلّغَ حاجته . وعن النخعي قال : يَهلِك الناس في فضول المال والكلام , وأيضاً قال : فإنّ
الإكثار من الكلام الذي لا حاجة إليه يوجب قساوة القلب
كما في الترمذي من حديث ابن عمر مرفوعاً " لا تُكثروا الكلام بغير ذكر الله ,
فإنّ كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوةٌ للقلب , وإنّ أبعد الناس عن الله القلب
القاسي " . وقال عمر رضي الله عنه : من كَثُرَ
كلامه كَثُرَ سَقَطُه , ومن كثر سقطه
كثرت ذنوبه ومن كثرت ذنوبه كانت النار أولى به . وقال محمد بن عجلان
: إنما الكلام أربعة : أن تذكَرَ الله , وتقرأ القرآن , وتَسألَ عن علمٍ
فتُخبَر به , أو تكلّمَ فيما يعنيك من أمر دُنياك .وقال رجلٌ لسلمان
: أوصِني , قال : لا تتكلم , قال : ما يستطيع من عاش في الناس أن لا يتكلّم
, قال : فإن تكلّمتَ فتكلّم بحق أو اسكت . وكان أبو بكر الصّديق رضي الله عنه يأخذ
بلسانه ويقول : هذا أورَدَني الموارِد . وقال ابن مسعود : والله الذي لا إله إلا هو ما على الأرض أحقّ بطول سجنٍ
من اللسان . وقال وهب بن مُنبِّه : أجمعت الحُكماء على أنّ
رأس الحِكمة الصمت . وقال سُمَيط بن عجلان
: يا ابن آدم إنك ما سكتّ فأنت سالم , فإذا تكلّمتَ فخُذ حِذرك إما لكَ
وإما عليك . وهذا بابٌ يطول استقصاؤه . والمقصود أنّ
النبي صلى الله عليه وسلم أمَرَ بالكلام بالخير والسكوت عمّا ليس بخير . والثاني مما أمرَ به النبيّ صلى الله عليه وسلم في هذا
الحديث المؤمنين : إكرام الجار وفي بعض الروايات النهي
عن أذى الجار , فأما أذى الجارِ فمُحرَّم لأنّ الأذى بغير حق محرّم لكلّ أحد ولكن
في حقّ الجار هو أشدّ تحريماً . وفي الصحيحين عن ابن
مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سُئِل " أيّ الذنب أعظم ؟ قال : أن تجعلَ لله نداً وهو خَلَقَك , قيل : ثمّ أي ؟ قال : أن تقتلَ وَلَدَك مَخافَةَ أن يَطعَمَ معك , قيل : ثمّ
أي ؟ قال : أن تُزَاني حَليلةَ جارِك " . وفي مُسند
الإمام أحمد عن المِقداد بن الأسود قال : قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم " ما تقولون في الزنا ؟ قالوا : حرامٌ حرّمه الله ورسوله فهو حرامٌ إلى يوم القيامة
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لأن يَزنيَ الرجل بعشرِ نِسوة أيسر عليه من
أن يزني بامرأة جاره , قال : فما تقولون في السرقة ؟ قالوا :
حرامٌ حرّمه الله ورسوله فهي حرام , قال : لأن يسرق الرجل من عشرة أبيات أيسر عليه
من أن يسرق من بيت جاره " . وفي صحيح البخاري عن أبي شُريح
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن , قيل من يا رسول الله ؟ قال :
من لا يأمن جارُه بوائِقَه " وخرّجه الإمام أحمد
وغيره من حديث أبي هريرة . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى
الله عليه وسلم قال " لا يدخل الجنة من لا يأمن
جاره بوائقه " . وخرّج الإمام أحمد والحاكم من حديث
أبي هريرة أيضاً قال " قيل يا رسول الله إنّ فلانة
تُصلي بالليل وتصوم النهار وفي لسانها شيء تؤذي جيرانها سَليطة
, قال : لا خير فيها هي في النار , وقيل له : إنّ فلانة
تصلي المَكتوبة وتصوم رمضان وتتصدّق بالأتوار وليس لها
شيء غيره ولا تؤذي أحداً قال هي في الجنة " ولفظُ الإمام أحمد " ولا
تؤذي بلسانها جيرانها " وخرّج الحاكم من حديث أبي جُحَيفة
قال " جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشكو جاره فقال له : اطرح متاعك
في الطريق , قال : فجعل الناس يمرّون به فيلعنونه , فجاء إلى النبي صلى الله عليه
وسلم فقال : يا رسول الله لقيتُ من الناس , قال : وما لقيتَ منهم ؟ قال : يلعنوني , قال : فقد لعنك الله قبل الناس , قال : يا
رسول الله فإني لا أعود " . فأما إكرام الجار والإحسان إليه فمأمورٌ به , وقد قال الله تعالى ( واعبدوا الله وتُشركوا به شيئاً
وبالوالدين إحساناً وبذي القُربى واليتامى والمَساكين والجار ذي القُربى والجارِ
الجُنُب والصاحب بالجَنبِ وابن السبيل وما مَلَكت أيمانكم إنّ الله لا يُحبّ من
كان مُختالاً فخورا ) فجَمَع الله تعالى في هذه الآية بين ذِكرِ حقّه على العبد
وحقوق العباد على العبد أيضا , وجعل العباد الذين أمَرَ بالإحسان إليهم خمسة أنواع
: أحدها: مَن بينَه وبين الإنسان قرابة وخصّ منهم الوالدين بالذِّكر لامتيازِهما عن سائر الأقارب بما لا يَشْرَكونهما فيه , وأنهما كانا السبب في وجود الولد ولهما
حقّ التربية والتأديب وغير ذلك . الثاني : من هو ضعيف
محتاج إلى الإحسان وهو نوعان : منهو محتاج , لضَعفِ بدنِه وهو اليتيم , ومَن هو
محتاجٌ لقلّةِ مالِه وهو المِسكين . والثالث : مَن له
حقّ القُربِ والمُخالطة , وجعلهم ثلاثة أنواع : جارٌ ذو قربى , وجارٌ جُنُب ,
وصاحِبٌ بالجَنب . وقد اختلف المفسّرون في تأويل ذلك ,
فمنهم من قال : الجارُ ذو القُربى : الجار الذي له قرابة , والجار الجُنُب :
الأجنبيّ , ومنهم من أدخل المرأة في الجار ذي القُربى ,
ومنهم من أدخلها في الجار الجُنُب , ومنهم من أدخلَ الرّفيق في السفر في الجار
الجُنُب .ومنهم من قال : الجار ذو القربى الجار المسلم ,
والجار الجُنُب الكافر . وفي مسند البزّار من حديث جابر
مرفوعاً " الجيران ثلاثة : جارٌ له حقٌ واحد وهو
أدنى الجيران حقّا , وجارٌ له حقّان , وجارٌ له ثلاثة حقوق وهو أفضل الجيران حقا ,
فأما الذي له حقٌ واحد فجار مشرك لا رحِمَ له , له حقّ الجِوار فأمّا الذي له
حقّان فجارٌ مسلم له حقّ الإسلام وحقّ الجِوار , فأما الذي له ثلاثة حقوق فجارٌ
مسلم ذو رَحِم فله حقّ الإسلام وحقّ الجوار وحقّ الرحم " . وقيل الجار ذو
القربى هو القريب المُلاصِق , والجار الجُنُب البعيد
الجِوار . وفي صحيح البخاري عن عائشة قالت " قلت يا
رسول الله إنّ لي جارَين فإلى أيّهِما أُهدي ؟ قال : إلى أقربهما منك باباً "
. الرابع : من هو وارد على الإنسان غير مُقيمٍ عنده وهو
ابن السبيل : يعني المسافر إذا ورَدَ إلى بلدٍ آخَر , وفسّره بعضهم بالضيف : يعني
به ابن السّبيل إذا نزل ضيفاً على أحد . والخامِس : مِلك
اليمين وقد وصّى النبي صلى الله عليه وسلم بهم كثيراً وأمَرَ بالإحسان إليهم .
ورُوِيَ أنّ آخِرَ ما وصّى به عند موته الصلاةَ وما ملَكَت أيمانكم
, وأدخل بعض السلف في هذه الآية : ما يَملِكه الإنسان من الحيوانات
والبهائم .ولنرجع إلى شرح حديث أبي هريرة في إكرام الجار ,
وفي الصحيحين عن عائشة وابن عمر رضي الله عنهما عن
النبي صلى الله عليه وسلم قال " ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظَننتُ أنه
سيورّثه " فمن أنواع الإحسان إلى الجار مواساته عند حاجته . وفي المسند عن
عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا يشبع المؤمن دون
جارِه " . وخرّج الحاكم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " ليس المؤمن
الذي يشبع وجاره جائع " وفي رواية أخرى عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " ما آمَنَ من
بات شبعان وجاره طاوياً " . وفي كتاب الأدب للبخاري
عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم
قال " كم من جارٍ مُتعلّق بجاره يوم القيامة فيقول :
يا ربّ هذا أغلق بابه دوني يمنع معروفه " . أخي الكريم أتدري
ما حقّ الجار ؟ إذا استعانك أعنته ,
وإذا استقرَضك أقرضته , وإذا افتقرَ عُدت عليه , وإذا
مرض عُدته , وإذا أصابه خيرٌ هنّيتَه , وإذا أصابته
مُصيبة عزّيتَه , وإذا مات اتبعت جنازته , ولا تَستَطِل عليه بالبناء فتحجب عنه
الريح إلا بإذنه , ولا تؤذيه بقتار ريح قِدْرِك إلا أن
تَغرِفَ له منها , وإن اشتريتَ فاكهةً فاهدِ له , فإن لم تفعل فأدخلها سِرّاً ,
ولا يخرج بها وَلَدُك ليَغيظَ بها وَلَدَه . وفي صحيح مسلم عن أبي ذرٍ قال "
أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم إذا طبختَ مَرَقاً فأكثر ماءه ثم انظر إلى أهل
بيت جيرانك فأَصِبْهم منها بمعروف " .وفي المسند
والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه ذبَحَ شاةً فقال :
هل أهديتم منها لجارنا اليهودي , ثلاث مرّات , ثم قال : سمعت النبي صلى الله عليه
وسلم يقول " ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننتُ أنه سيوَرِّثه " .
وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "
لا يَمنعَنَّ أحدُكم جارَه أن يغرِزَ خشبةً في جِداره " ثم يقول أبو هريرة
رضي الله عنه : مالي أراكم عنها مُعرضين , والله لأرمِينَّ بها بين أكتافكم . الثالث مما أمَرَ به النبي صلى
الله عليه وسلم المؤمنين : إكرام الضيف , والمُراد إحسان
ضِيافَته . وفي الصحيحين من حديث أبي شُريح رضي الله
عنه قال : أبصَرَت عَينايَ
رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وسَمِعته أُذُناي حين
تكلّم به قال " من كان يؤمن بالله واليوم الآخِر فليُكرِم ضيفه جائزته ,
قالوا : وما جائزته . قال : يومٌ وليلة , قال : والضيافة
ثلاثة أيام , وما كان بعد ذلك فهو صدقة " .وخرّج مسلم من حديث أبي شُريح أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " الضيافة
ثلاثة أيام وجائزته يوم وليلة وما أنفق عليه بعد ذلك فهو صدقة ,
ولا يَحِلُّ له أن يَثوي عنده حتى يؤثِمَه , قالوا : يا رسول الله كيف يؤثِمُه ؟ قال : يُقيم عنده ولا شيء له يُقريه به " . وخرّج الإمام
أحمد من حديث أبي سعيد الخُدري رضي الله عنه عن النبي
صلى الله عليه وسلم " من كان يؤمن بالله واليوم الآخِر فليُكرِم ضيفه "
قالها ثلاثاً , قالوا : وما إكرام الضيف يا رسول الله ؟ قال : ثلاثة أيام فما حبس بعد ذلك فهو صدقة " ففي هذه
الأحاديث أنّ جائزة الضيف يومٌ وليلة , وأنّ الضيافة ثلاثة أيام , فَفَرَّقَ بين
الجائزة والضيافة . وهذه النصوص تدلّ على وجوب الضيافة يوماً وليلة وهو قول الليث وأحمد . |
|
||||||||||||||||||||||||||