الحلقة
التاسعة:
عن أبي رُقيّةَ تميم بن أوسٍ
الداري رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال :
" الدين النصيحة ( ثلاثاً ) , قلنا لمن ( يا رسول الله ) ؟ قال : لله ( عزّ وجل ّ ) ولكتابه ولرسوله ( صلى الله عليه وسلم
) ولأئمة المسلمين وعامّتهم " رواه مسلم .
الشرح : قال الحافظ أبو نُعَيم : هذا الحديث له شأن عظيم . وذكر محمد
بن أسلم الطوسي أنه أحد أرباع الدين . وقد ورد في أحاديث
كثيرة النصح للمسلمين عموماً ,وفي بعضها : النُّصح لولاة
أمورهم , وفي بعضها : نُصح ولاة الأمور لرعاياهم . فأما الأول وهو النصح للمسلمين
عموماً ففي الصحيحين عن جرير بن عبد الله قال : بايعت
النبي صلى الله عليه وسلم على إقامِ الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكلّ مسلم . وفي
صحيح مُسلم عن أبي هُريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "
حقّ المؤمن على المؤمن ست " فذكر منها " وإذا استنصَحَكَ
فانصح له " . وأما الثاني وهو النصح لولاة الأمور
ونُصحُهم لرعاياهم ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله
عليه وسلم قال " إنّ الله يرضى لكم ثلاثاً : يرضى
لكم أن تعبدوه ولا تُشركوا به شيئاً , وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفَرّقوا
, وأن تُناصِحوا مَن ولاّه الله أمركم " وفي
المسند وغيره عن جُبير بن مُطعم رضي الله عنه أنّ النبي
صلى الله عليه وسلم قال في خطبته بالخيف مِن مِنى
" ثلاثٌ لا يُغلّ عليهنّ قلب امرئ مسلم : إخلاص العمل لله , ومُناصحة وُلاة الأمر ولُزوم جماعة المسلمين " . وفي الصحيحين عم مَعقِل بن يسار عن النبي صلى الله عليه وسلم
قال " ما من عبدٍ يَستَرعيه الله رَعيّةً ثمّ لم يُحِطها بنصيحة إلا لم يدخل
الجنة ". وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنّ الدين النصيحة
, فهذا يدلّ على أنّ النصيحة تشمل خصال الإسلام والإيمان والإحسان التي
ذُكرت في حديث جبريل عليه السلام , وسمى ذلك كلّه ديناً
, فإنّ النصح لله يقتضي القيام بأداء واجباته على أكمل
وجوهها وهو مقام الإحسان , فلا يَكمُل النصح لله بدون ذلك , ولا يتأتى ذلك بدون
كمال المحبّة الواجبة والمُستحبّة , ويستلزم ذلك الاجتهاد في التقرّب إليه بنوافل
الطاعات على هذا الوجه وترك المحرّمات والمَكروهات على هذا الوجه أيضاً . وقال الخطابي : النصيحة كلمة يُعبّر بها عن جملة هي إرادة الخير
للمنصوح له , قال : وأصل النُّصح في اللغة الخلوص ,
يُقال نصحت العسل إذا خلّصته من الشمع .فمعنى النصيحة لله سبحانه
: صحة الاعتقاد في وَحدانيّته وإخلاص النية في عبادته ,والنصيحة لكتابه :
الإيمان به والعمل بما فيه , والنصيحة لرسوله : التصديق بنبوّته وبذل الطاعة له
فيما أمَر به ونهى عنه , والنصيحة لعامّة المسلمين : إرشادهم لمصالحهم , انتهى .