الحلقة الرابعة:

عن أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنّ الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم ( وأعمالكم ) " رواه مسلم.

 

الشرح : هذا حديث مهم يُبيّن ميزان الإسلام في نظرته وتقييمه للأشياء , فهو لا يعتني بالمظاهر بِقَدْرِ ما يعتني ببواطن الأمور وحقائقها لأنها هي المِقياس الصادق والميزان الدقيق الذي يُعطي النتائج الصحيحة لكلّ شيء , ففي هذا الحديث يوضّح الرسول صلى الله عليه وسلم أنّ مَحَلّ نظر الله سبحانه وتعالى من الإنسان هو قلبه – وهذا لا يعني أنه لا ينظر إلى جسمه وشكله وتصرفاته ولكنّ المقصود هو : مجازاته وإثابَتُه – فهو المكان الحقيقي الذي يُعَبِّر عن نوايا الإنسان وتصرفاته الحقيقية .   يقول ابن علان بعد ذِكره للجزء الأول من الحديث : أي : لا يُثيبكم عليها ولا يُقرِّبكم منه ذلك , كما قال تعالى : ( وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تُقرِّبكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحاً .. ) .. وقال أيضاً : وفي الحديث الاعتناء بحال القلب , وصفاته بتحقيق علومه , وتصحيح مقاصده ,وعزومه , وتطهيره عن كلّ وَصفٍ مذموم , وتحلِيَته بكلّ بكلّ نعت محمود , فإنه لمّا كان القلب محلّ نظر الرب حَقَّ على العالم بِقَدْرِ اطّلاع الله تعالى على قلبه , أن يٌفَتّش عن صِفات قلبه ,وأحواله , لا مكان أن يكون فيه وصفٌ مذموم يَمقُته الله بسببه , وفيه أنّ الاعتناء بإصلاح القلب , وبصفاته مقَدّم على عمَلِ الجوارح : لأنّ عمل القلب هو المُصحِّح للأعمال الشرعية ....... ثم قال أيضاً : وحيث كان عمل القلب مُصَحِّحاً للعمل الظاهر , وعمل القلب غيبٌ عنّا , فلا يُقطَع لذي عملٍ صالح بالخير : فلعَلّ الله تعالى يَعلم مِن قلبه وصفاً مذموماً لا يَصِحُّ معه ذلك العمل , ولا لذي معصيةٍ بالشر : فلعَلّه سبحانه يعلم من قلبه وصفاً محموداً يَغفِر له بسببه , والأعمال أَمَاراتٌ ( علامات ) ظنّيّة , لا أدلة قطعية , ويترتّب على ذلك عدم الغُلُو في تعظيم من رأينا عليه أفعالاً صالحة , وعدم الاحتقار لمسلمٍ رأينا عليه أفعالاً سيئة , بل تُحتَقَرُ تلك الحالة السيئة لا تلك الذات المُسيئة فَتَدَبَّر هذا فإنه نظر دقيق . والحمد لله رب العالمين .