في ظلال السنة
التواضع
عن
عمر بن الخطاب رضي الله عنه – لا أعلمه إلا رفعه – قال :
يقول الله تبارك وتعالى :
"
من تواضع لي هكذا ـ وجعل يريد باطن كفه إلى الأرض وأدناها ـ رفعته هكذا ـ وجعل
باطن كفه على السماء ورفعها نحو السماء " رواه أحمد والبزار ورجالهما
رجال الصحيح , والطبراني إلا أنه قال: قال عمر بن الخطاب على المنبر : ايها الناس تواضعوا فإني سمعت رسول الله r يقول : " من تواضع لله رفعه الله . وقال انتعش نعشك الله,
فهو في أعين الناس عظيم وفي نفسه صغير , ومن تكبر قصمه
الله وقال: اخسأ فهو في أعين الناس صغير وفي
نفسه كبير "
شرح
الحديث:
هذا
الحديث كما نرى يرويه سيدنا عمر بن الخطاب, أمير المؤمنين وثاني الخلفاء الراشدين , الملقب بالفاروق , لأن إسلامه رضي الله عنه , فرق
الله به بين الحق والباطل , وأعز الله به الإسلام والمسلمين , وكان رضي الله عنه
شديدا بالحق على أهل الباطل , وبشهادة رسول الله r: ما سلك عمر فجا إلا سلك الشيطان فجا غيره .
وكان
رضي الله عنه شديدا على أهل الكفر والنفاق رحيما بالمؤمنين, وخاصة لما تولى الخلافة , فكان رضي الله عنه لا يأكل حتى يطعم المسلمين ,
وتجلى عطفه وشفقته ورحمته على الأمة عام الرمادة .
وسيرته أكبر من أن تضمها الأسطر والصفحات رضي الله عنه وأرضاه .
وهذا
الحديث يرويه رضي الله عنه عن النبي r كما يقول الراوي عنه ـ لا أعلمه إلا رفعه أي إلى النبي r ـ وهو حديث قدسي بنسبته إلى المولى عز وجل, فالله سبحانه يقول : من تواضع لي هكذا , ومثل بيده الشريفةr حيث مد يده وجعل باطن الكف نحو الأرض وقربها قليلا قليلا , رفعته , أي رفع الله منزلته عنده ومن رفع منزلته عنده
كانت أفضل من أي منزلة من منازل الدنيا . ويشير في الرفع
كما أشار في الخفض , حيث يقلب باطن الكف إلى السماء
ويرفعها إلى السماء إشارة إلى علو المرتبة .
وفي
الرواية الأخرى , أن سيدنا عمر كان على المنبر يخطب وقال
للناس : تواضعوا
فإني
سمعت رسول الله r يقول " من تواضع لله رفعه الله "
وهذا مبدأ عظيم من مبادئ الإسلام وخلق كريم من
أخلاق الإسلام : التواضع لعباد الله وإلانة الجانب لهم ,
فما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا وما تواضع أحد لله إلا رفعه
الله . هذا كلام
المصطفى الذي لا ينطق عن الهوى r .
ومهما
حاول المتكبر أن يرفع نفسه ويتكبر ويتجبر على عباد الله فهو سخيف مذموم محسور بين عباد الله مبغوض , لا تقوم له قائمة بين المؤمنين , فهو يترفع عن أن يكون بين
عباد الله ويظن نفسه فوقهم و وهو مسكين مغرور , ما نظر لأولي العبر ولو نظر وافتكر
لاعتبر ! أين قارون وفرعون ونمرود و. . .؟ لقد كانوا عبرة للمعتبرين
.
فالتواضع
خلق كريم وصفة حميدة يرفع صاحبه عند الله وعند الناس :
إن كان ممن اعطاهم الله المال والجاه والرفعة زاده
الله بالتواضع عزا ورفعة ومقاما . وإن كان
من عامة الناس وتواضع والتزم خلق التواضع , نبغ بين قومه
وزاده الله عزا ورفعة.
وصدق الشاعر حيث يقول:
تواضع تكن كالنجم لاح
لناظر على صفحات الماء وهو رفيع
ولا تك كالدخان يعـلو بنـفســه إلى طبقات الجـو وهـو وضيع
أعاذنا الله وإياكم من الكبر وعاقبة الكبر , ونسأله عز وجل أن يجعلنا في زمرة عباده المتواضعين
الخاضعين لعظمته جلت قدرته .
وصلى
الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد سيد المرسلين وإمام المتواضعين
.