الحلقة الثانية عشر
عن أبي هريرة رضي الله ( تعالى ) عنه " أنّ
رَجُلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم : أوصِني : قال
" لا تغضب , فردّد مِراراً قال : لا تغضب " . رواه البخاري
.
الشرح : هذا الرجل
طلبَ من النبي صلى الله عليه وسلم أن يوصيه وَصيّةً وَجيزة جامعة لخصال الخير
ليَحفَظَها عنه خشيةَ أن لا يَحفَظَها لكثرتها , ووصّاه النبي صلى الله عليه وسلم
أن لا يغضب , ثمّ ردّدَ هذه المسألة عليه مِراراً والنبيّ صلى الله عليه وسلم
يُرَدّد عليه هذا الجواب , فهذا يدلّ على أنّ الغضب جِماع الشرّ , وأنّ التحرّزَ منه جِماع الخير . قال جعفر بن محمد
: الغضب مفتاح كلّ شر . وقيل لابن المبارك : اجمع
لنا حُسن الخُلُقِ في كلمة , قال : تركُ الغضب , وكذا فَسَّرَ الإمام أحمد وإسحاق
ابن راهويه حُسن الخلق بترك الغضب . فقوله صلى الله
عليه وسلم لمن استَوصَاه " لا تغضب "
يَحتمِلُ أمرين , أحدهما : أن
يكون مُراده الأمرَ بالأسباب التي توجِب حُسن الخلق من الكرم والسّخاء والحِلم
والحياء والتواضع والاحتمال وكفّ الأذى والصفح والعفو وكظم الغيظ والطلاقة والبِشر ونحو ذلك من الأخلاق الجميلة , فإنّ النفس
إذا تَخلّقَت بهذه الأخلاق وصارت لها عادة أوجب لها ذلك دفع الغضب عند حصول أسبابه . والثاني : أن يكون المراد :
لا تعمل بمقتضى الغضب إذا حصل لك بل جاهد نفسك على ترك تنفيذه والعمل بما يأمر به
, فإنّ الغضب إذا مَلَكَ شيئاً من بني آدم كان الآمِرَ والناهي له , ولهذا المعنى
قال الله عزّ وجل ( ولما سَكَت عن موسى الغضب ) إذا لم يمتثل الإنسان ما يأمره به
غضبه وجاهد نفسه على ذلك اندفع عنه شرّ الغضب , وربما سَكَنَ غضبه وذهبَ عاجِلاً
وكأنه حينئذٍ لم يغضب , وإلى هذا المعنى وقعت الإشارة في القرآن بقوله عزّ وجلّ (
وإذا ما غَضِبوا هم يَغفِرون ) وبقوله عزّ وجل ( والكاظمين الغيظ والعافين عن
الناس والله يُحبّ المحسنين ) وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم يأمر مَن غَضِبَ
بتعاطي أسباب تدفع عنه الغضب وتُسَكِّنه ويَمدحُ من ملَكَ نفسه عند غضبه . ففي
الصحيحين عن سلمان بن صُرَد قال " اسْتبَّ رَجُلان
عند النبي صلى الله عليه وسلم ونحن عنده جلوس وأحدهما
يَسُبّ صاحِبه مُغضَباً قد احمرَّ وجهه , فقال النبي صلى
الله عليه وسلم : إني لأعلم كلمة لو قالَها لذهبَ عنه ما يجد لو قال : أعوذ بالله
من الشيطان الرجيم , فقالوا للرجل ألا تسمع ما يقول النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال : إني لست بمجنون " . وخرّج الإمام أحمد والترمذي من
حديث أبي سعيد الخُدري أنّ النبي صلى الله عليه وسلم
قال في خطبته " ألا إنّ الغضب جمرةٌ في قلب ابن آدم ,
أفَمَا رأيتم إلى حُمرة عينيه وانتفاخ أوداجِه , فمن أحَسَّ من ذلك بشيء فلْيَلْزَق بالأرض " . وخرّج الإمام أحمد وأبو داود من
حديث أبي ذر أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا غضِبَ أحدُكم وهو قائم فليجلس , فإذا ذهب عنه الغضب وإلا
فليضطجع " .وقد قيل إنّ المعنى في هذا أنّ القائم متهيئ للانتقام والجالس
دونه في ذلك والمضطجع أبعد منه , فأمَرَه بالتباعد عند
حالة الانتقام . وخرّج الإمام أحمد من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم
قال " إذا غضب أحدكم فليسكت قالها ثلاثاً " .
وهذا أيضاً دواءٌ عظيم للغضب , لأنّ الغضبان يصدر منه في
حال غضبه من القول ما يندم عليه في حال زوال غضبه كثيراً من السِّباب وغيره مما
يعظم ضرره , فإذا سكت زال هذا الشرّ كلّه عنه , وما أحسن قول مُوَرِّق العِجلي رحمه الله : ما امتلأت غضباً قطّ ولا تكلّمت في غضب
قط بما أندمُ عليه إذا رضيت . وغضب يوماً عمر بن عبد العزيز فقال له ابنه عبد
الملك رحِمَهُما الله : أنت
يا أمير المؤمنين مع ما أعطاك الله وفَضّلّكَ به تغضب هذا الغضب ؟ فقال له : أوَ ما تغضب يا عبد الملك ؟ فقال له عبد الملك : وما يُغني عني سَعةُ جوفي إذا لم أُرَدّد فيه الغضب
حتى لا يظهر ؟ فهؤلاء قومٌ مَلَكوا أنفسهم عند الغضب رضي الله عنهم
.وروى أبو نُعَيم بإسناده عن أبي مسلم الخوْلاني
أنه كَلَّمَ معاوية بشيء وهو على المنبر فغضب ثمّ نزلَ فاغتسل ,
ثمّ عاد إلى المنبر وقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " إنّ
الغضب من الشيطان , والشيطان من النار والماءُ يُطفئ النار , فإذا غضب أحدكم
فليغتسل " . وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال
" ليس الشديد بالصّرعة , إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب " . وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال
" ما تَعُدّون الصرعة فيكم ؟ قُلنا : الذي لا
تَصرعه الرجال , قال : ليس ذلك , ولكنه الذي يملك نفسه عند الغضب " وخرّج
الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة من حديث معاذ بن أنس الجهني عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال " من كَظَمَ
غيظاً وهو يستطيع أن يُنفِذَه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى
يُخيِّرَه في أيّ الحور شاء " .وخرّج الإمام أحمد من حديث ابن عمر عن النبيّ
صلى الله عليه وسلم قال " ما تَجرَّعَ عبدٌ جُرعةً أفضل عند الله من جُرعةِ
غيظٍ يكظمها ابتغاء وجه الله تعالى " ومن حديث ابن عباس عن النبي صلى الله
عليه وسلم قال " ما من جُرعةٍ أحَبُّ إلى الله من جرعة غيظ يكظِمها عبد , ما كظمَ عبدٌ لله إلا ملأ الله جوفه إيمانا " وخرّج
أبو داود معناه من رواية بعض الصحابة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم وقال "
ملأه الله أمْناً وإيمانا " . وقال ميمون بن مِهران :
جاء رجلٌ إلى سلمانَ فقال : يا أبا عبد الله أوصِني , قال : لا تغضب , قال :
أمَرتني أن لا أغضب وإنه لَيَغشاني ما لا أملِك , قال : فإن غضبت فاملك لسانك
ويدَك " خرّجَه ابن أبي الدنيا , وملك لسانه ويده هو الذي أشار إليه النبيّ
صلى الله عليه وسلم بأمره لمن غضب أن يجلس ويضطجع وبأمره له أن يسكت . قال عمر بن
عبد العزيز : قد أفلحَ من عُصِمَ عن الهوى والغضب والطمع
. وقال الحسن : أربعٌ مَن كُنَّ فيه عصَمَه الله من
الشيطان وحرّمَه على النار : من مَلَكَ نفسه عند الرغبة والرهبة والشهوة والغضب .
وسُئِلت عائشة رضي الله عنها عن خُلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : كان خُلُقه القرآن : يعني أنه كان يتأدّب بآدابه
ويتخلّق بأخلاقه , فما مَدَحَه القرآن كان فيه رِضاه , وما ذمّه القرآن كان فيه
سُخطه . وجاء في روايةٍ عنها قالت : كان خلُقه القرآن
يرضى لِرضاه ويسخط لسخطه , وكان صلى الله عليه وسلم لشدّة حيائه لا يواجه أحداً
بما يَكره بل تُعرَفُ الكراهة في وجهه , كما في الصحيح عن أبي سعيد الخدري قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم أشدّ حياءً من
العذراء في خِدرها , فإذا رأى شيئاً يكرهه عرفناه في وجهه . ولما بَلَّغَه ابن
مسعودٍ قولَ القائل : هذه قِسمةٌ ما أُريدَ بها وجه الله
شقّ عليه صلى الله عليه وسلم وتغيّر وجهه وغضِب ولم يَزِد على أن قال : لقد أوذيَ
موسى بأكثر من هذا فصبر . وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم " أسالك كلمة
الحقّ في الغضب والرضا " وهذا عزيزٌ جداً , وهو أنّ
الإنسان لا يقول سوى الحقّ سواءٌ غضب أو رضي , فإنّ أكثر الناس إذا غضب لا يتوقف
فيما يقول .وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم " أنه أخبر عن رجلين ممن كان
قبلنا كان أحدهما عابداً وكان الآخر مُسرفاً على نفسه , وكان العابد يَعِظه فلا ينتهي , فرآه يوماً على ذنبٍ
استعظمَه , فقال : والله لا يغفر الله لك , فغفر الله للمذنب وأحبَطَ عَمَلَ
العابد " وقال أبو هريرة : لقد تكلّم بكلمة أوبَقَت
دُنياه وآخِرَته , فكان أبو هريرة يُحَذِّر الناس أن
يقولوا مثل هذه الكلمة في غضب . وفي صحيح مسلم عن عمران بن حُصين " أنهم
كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره وامرأةٌ من الأنصار على ناقة
فضجِرت فلَعَنَتها فسمع النبي صلى الله عليه وسلم فقال :
خذوا متاعها ودَعوها " وفيه أيضاً عن جابر قال " سِرْنا مع رسول الله
صلى الله عليه وسلم في غزوة ورجلٌ من الأنصار على ناضِحٍ
له فتلدّنَ عليه بعض التلدّن , فقال له : سِرْ يلعنك
الله , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : انزل عنه فلا يَصْحَبُنا ملعون , لا
تدعوا على أنفسكم ولا على أولادكم ولا تدعوا على أموالكم لا توافقوا من الله ساعةً
يُسألُ فيها عطاءً فيستجيبَ لكم " فهذا كلّه يدلّ على أنّ دعاء الغضبان قد
يُجاب إذا صادَفَ ساعة إجابة , وأنه يُنهى عن الدعاء على نفسه وأهله وماله في
الغضب . وأما ما رُوي عن الفضيل بن عياض
قال : ثلاثةٌ لا يُلامون على غضب : الصائم والمريض
والمسافر . وعن الأحنف بن قيس قال :
" يوحي الله إلى الحافِظَيْنِ اللذين مع ابن آدم لا تَكتُبا على عبدي في ضجره
شيئاً " وعن أبي عمران الجَوني قال : إنّ المريض
إذا جَزِعَ فأذنب قال المَلَكُ الذي على اليمين للملك الذي على الشمال : لا تكتب .
خرّجه ابن أبي الدنيا , فهذا كلّه لا يُعرف له أصلٌ صحيح
من الشرع يَدلّ عليه , والأحاديث التي ذَكَرنا من قبل
تدلّ على خلافه . وقول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا غضب فليسكت "
يدلّ على أنّ الغضبان مُكَلّفٌ في حال غضبه بالسّكوت فيكون حينئذٍ مؤاخذاً بالكلام . وقد صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمَرَ من
غضب أن يتلافى غضبَه بما يُسكِته من أقوال وأفعال وهذا هو عينُ التكليف له بقطع
الغضب فكيف يُقال إنّه غيرُ مُكلّف في حال غضبه بما يصدر منه .
وقال عطاء بن أبي رباح : ما أبكى العلماء بكاء آخر العمر من غَضْبَةٍ يغضبها أحدهم
فيهدم عمر خمسين سنة أو ستين سنة أو سبعين سنة , ورُبّ غَضْبةٍ قد أقحَمَت صاحِبها
مقحماً ما استقالَه . خرّجه ابن أبي الدنيا
.