|
||||||||||||||||||||||||
|
||||||||||||||||||||||||
|
الحلقة السادسة : " فإذا جاءت الطامة الكُبرى , يوم يتذكر الإنسان ما سعى
, وبُرّزت الجحيم لمن يرى . فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا ,فإنّ الجحيم هي
المأوى , وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى , فإنّ الجنة هي المأوى "
.. إنّ الحياة الدنيا متاع . متاعٌ مُقدّر بدقة وإحكام .وِفق تدبير يرتبط بالكون
كله ونشأة الحياة والإنسان . ولكنه متاع . متاعٌ ينتهي إلى أجله .. فإذا جاءت الطامة
الكبرى غطّت على كلّ شيء , وطمّت على كلّ شيء . على
المتاع الموقوت . وعلى الكون المتين المقدّر المنظم . على السماء المبنية والأرض المَدْحوّة والجبال المُرساة والأحياء والحياة وعلى كلّ ما
كان من مصارع ومواقع . فهي أكبر من هذا كله , وهي
تَطمّ وتعمّ على هذا كلّه ! عندئذٍ يتذكر الإنسان ما سعى . يتذكر سعيه ويستحضره , إن
كانت أحداث الحياة , وشواغل المتاع أغفلته عنه وأنسته إياه . يتذكره ويستحضره ولكن
حيث لا يُفيده التذكر والاستحضار إلا الحسرة والأسى وتصوُّرِ ما وراءه من العذاب
والبلوى ! " وبُرّزت الجحيم لمن يرى " .. فهي بارزةٌ مكشوفة
لكلّ ذي نظر . ويشدد التعبير في اللفظ " بُرِّزَت " تشديداً للمعنى
والجَرْس , ودفعاً بالمشهد إلى كلّ عين ! عندئذٍ تختلف المصائر والعواقب ؛ وتتجلى غاية التدبير
والتقدير في النشأة الأولى : " فأما من طغى , وآثَر الحياة الدنيا , فإنّ الجحيم هي
المأوى " .. والطغيان هنا أشمل من معناه القريب . فهو وصفٌ لكلّ من
يتجاوز الحقّ والهدى . ومَداه أوسع من الطغاة ذوي السلطان والجبروت , حيث يشمل كل
متجاوز للهدى , وكلّ من آثر الحياة الدنيا , واختارها على الآخرة . فعمل لها وَحدَها ,غير حاسب للآخرة حساباً . واعتبارُ
الآخرةِ هو الذي يُقيم الموازين في يد الإنسان وضميره . فإذا أهمل حساب الآخرة أو آثَرَ عليها الدنيا اختلّت كلّ
الموازين في يده , واختلّت كلّ القِيَم في تقديره , واختلّت كلّ قواعد الشعور
والسلوك في حياته , وعُدَّ طاغياً وباغياً ومتجاوزاً للمدى. فأما هذا .. " فإنّ الجحيم هي المأوى " .. الجحيم
المكشوفة المبرزة القريبة الحاضرة . يوم الطامة الكُبرى ! " وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى . فإنّ
الجنة هي المأوى " .. والذي يخاف مقامَ ربه لا يُقدِم على معصية , فإذا أقدم عليها
بحكم ضعفه البشري قاده خوف هذا المقام الجليل إلى الندم والاستغفار والتوبة . فظلّ
في دائرة الطاعة . ونَهيُ النفس عن الهوى هو نقطة الارتكاز في دائرة الطاعة .
فالهوى هو الدافع القوي لكلّ طغيان , وكلّ تجاوز , وكلّ معصية . وهو أساس البلوى ,
وينبوع الشر , وقَلَّ أن يُؤتى الإنسان إلا من قِبَل الهوى . فالجهل سهلٌ علاجه .
ولكن الهوى بعد العلم هو آفة النفس التي تحتاج إلى جهاد شاق طويل الأمد لعلاجها . والخوف من الله هو الحاجز الصّلب أمام دَفَعات الهوى العنيفة
. وقَلّ أن يثبت غير هذا الحاجز أمام دَفَعات الهوى . ومِن ثمّ يجمع بينهما السياق
القرآني في آية واحدة . فالذي يتحدث هنا هو خالق هذه النفس العليم بدائها , الخبير
بدوائها وهو وحده الذي يعلم دروبها ومُنحنياتها , ويعلم أين تكمن أهواؤها وأدواؤها
, وكيف تُطارد في مكامنها ومخابئها ! ولم يُكلّف الله الإنسان ألا يَشتَجِرَ
في نفسه الهوى . فهو – سبحانه – يعلم أنّ هذا خارجٌ عن طاقته . ولكنه كلّفه أن
ينهاها ويَكبَحها ويُمسك بزمامها . وأن يستعين في هذا بالخوف . الخوف من مقام ربه
الجليل العظيم المَهيب . وكَتبَ بهذا الجهاد الشاق , الجنة مثابةً ومأوى : "
فإنّ الجنة هي المأوى " .. ذلك أنّ
الله يعلم ضخامة هذا الجهاد ؛ وقيمته كذلك في تهذيب النفس البشرية وتقويمها
ورفعها إلى المقام الأسنى . إنّ الإنسانَ إنسانٌ بهذا النهي , وبهذا الجهاد , وبهذا
الارتفاع . وليس إنساناً بترك نفسه لهواها , وإطاعة جواذبه
إلى دَركِها , بحجة أن هذا مُركّبٌ في طبيعته . فالذي
أودَعَ نفسَه الاستعداد لِجِيشِانِ الهوى , هو الذي أودعها الاستعداد للإمساك
بزمامه , ونهيِ النفسِ عنه , ورَفعِها عن جاذبيته ؛ وجعل له الجنة جزاءً ومأوى حين
ينتصر ويرتفع ويرقى . وهنالك حرية إنسانية تليق بتكريم الله للإنسان . تلك هي حرية
الانتصار على هوى النفس والانطلاق من أَسْرِ الشهوة , والتصرف بها في توازن تَثبتُ
معه حرية الاختيار والتقدير الإنساني . وهنالك حرية حيوانية , هي هزيمة الإنسان
أمام هواه , وعبوديته لشهوته , وانفلات الزمام من إرادته . وهي حرية لا يهتف بها
إلا مَخلوقٌ مهزوم الإنسانية مُستعبَد يُلبس عبوديته رداءً زائفاً من الحرية ! إنّ الأول هو الذي ارتفع وارتقى وتهيأ للحياة الرفيعة
الطليقة في جنة المأوى . أما الآخَر فهو الذي ارتَكَسَ
وانتكس وتهيأ للحياة في درك الجحيم حيث تُهدَر إنسانيته ,ويَرتدِ شيئاً توقد به
النار التي وَقودها الناس – من هذا الصنف – والحجارة ! وهذه وتلك هي المصير الطبيعي للارتكاس
والارتقاء في ميزان هذا الدين الذي يَزن حقيقة الأشياء .. وأخيراً يجيء الإيقاع الأخير في السورة هائلاً عميقاً مديداً
: " يسألونك عن الساعة : أيّان مُرساها ؟ فيم أنت من
ذِكراها ؟ إلى ربك مُنتهاها . إنما أنت مُنذر من يَخشاها .كأنهم يوم يَرونها لم
يَلبَثوا إلا عشيّةً أو ضُحاها " .. وكان المتعنّتون من المشركين يسألون الرسول – صلى الله عليه
وسلم – كلّما سمعوا وصف أهوال الساعة وأحداثها وما تنتهي إليه من حساب وجزاء .. متى أو أيّانَ
موعدها .. أو كما يَحكي عنهم هنا : " أيّانَ مُرساها ؟ " .. والجواب : " فيمَ أنت من ذِكراها ؟ " .. وهو جوابٌ
يوحي بعظمَتِها وضخامتها , بحيث يبدو هذا السؤال تافهاً باهتاً , وتطفّلاً كذلك
وتجاوزاً . فها هو ذا يُقال للرسول العظيم : " فيمَ أنت من ذِكراها ؟ "
.. إنها لأعظم من أن تَسأل أو تُسأل عن موعدها . فأمرها إلى ربك وهي من خاصة شأنه
وليست من شأنك : " إلى ربك مُنتهاها " .. فهو الذي ينتهي إليه
أمرها ,وهو الذي يعلم موعدها , وهو الذي يتولى كلّ شيء فيها . " إنما أنت مُنذر من يخشاها ".. هذه وظيفتك , وهذه
حدودك .. أن تُنذر بها من ينفعه الإنذار , وهو الذي يَشعر قلبه بحقيقتها فيخشاها
ويعمل لها , ويتوقعها في موعدها الموكول إلى صاحبها سبحانه وتعالى . ثم يُصوّر هولها وضخامَتها في صنيعها بالمشاعر والتصوّرات ؛
وقياس الحياة الدنيا إليها في إحساس الناس وتقديرهم : " كأنهم يوم يرونها لم
يَلبثوا إلا عشيّةً أو ضُحاها ".. فهي من ضخامة الوَقْع في النفس بحيث تتضاءل إلى جوارها
الحياة الدنيا , وأعمارها , وأحداثها , ومتاعها , وأشياؤها , فتبدو في حِسّ
أصحابها كأنها بعض يوم .. عَشيّةً أو ضُحاها ! وتنطوي هذه الحياة التي يتقاتل عليها أهلها ويتطاحنون . والتي يؤثرونها ويَدَعون في سبيلها نصيبهم في
الآخرة . والتي يرتكبون من أجلها من الجريمة والمعصية والطغيان . والتي يجرفهم
الهوى فيعيشون له فيها .. تنطوي هذه الحياة في نفوس أصحابها أنفسهم , فإذا هي
عندهم عشيةً أو ضُحَاها . هذه هي : قصيرةٌ عاجلة , هزيلة ذاهبة , زهيدةٌ تافهة .. أفَمِن
أجلِ عشيةٍ أو ضحاها يُضحّون بالآخرة ؟ ومن أجل شهوةٍ زائلة يَدَعون الجنة مثابةً ومأوى ! ألا إنها الحماقة الكُبرى . الحماقة التي لا يرتكبها إنسان .
يسمع ويرى ! |
|
|||||||||||||||||||||||