Untitled Document
Untitled Document
" اذهب إلى فرعون

الحلقة الخامسة:

" اذهب إلى فرعون . إنه طغى " .. ثم يعلّمه الله كيف يخاطب الطاغية بأحبّ أسلوب وأشدّه جاذبية للقلوب , لعله ينتهي , ويتقي غضب الله وأَخْذَه : " فقل :  هل لك إلى أن تزكى ؟ " .. هل لك إلى أن تتطهر من رجس الطغيان ودنس العصيان ؟ هل لك إلى طريق الصلاة والبركة ؟ " وأهديَكَ إلى ربك فتخشى " .. هل لك أن أعرفك طريق ربك ؟ فإذا عرفتَه وقعت في قلبك خشيته . فما يطغى الإنسان ويعصي إلا حين يذهب عن ربه بعيداً , وإلا حين يَضِلّ طريقه إليه فيقسو قلبه ويفسد , فيكون منه الطغيان والتمرّد !

كان هذا في مشهد النداء والتكليف .وكان بعده في مشهد المواجهة والتبليغ . والسياق لا يكرره في مشهد التبليغ . اكتفاءً بعرضه هناك وذِكرِه . فيطوي ما كان بعد مشهد النداء , ويختصر عبارة التبليغ في مشهد التبليغ .

ويسدل الستار هنا ليرفعه على ختام مشهد المواجهة :

" فأراه الآية الكُبرى . فكذّب وعصى " ..

لقد بلّغ موسى ما كُلّف تبليغَه . بالأسلوب الذي لقّنَه ربّه وعرفه . ولم يُفلح هذا الأسلوب الحبيب في إلانة القلب الطاغي الخاوي من معرفة ربه . فأراه موسى الآية الكُبرى . آية العصا واليد البيضاء كما جاء في المواضع الأخرى : " فكذّب وعصى " .. وانتهى مشهد اللقاء والتبليغ عند التكذيب والمعصية في اختصار وإجمال ! ثم يعرض مشهداً آخَر . مشهد فرعون يتولى عن موسى ,ويسعى في جمع السّحَرة للمباراة بين السحر والحق . حين عزّ عليه أن يستسلم للحق والهدى :

" ثم أدبر يسعى . فحشر فنادى . فقال : أنا ربكم الأعلى " ..

ويُسارع السياق هنا إلى عرض قولة الطاغية الكافرة , مُجمِلاً مشاهد سعيه وحشره للسحرة وتفصيلاتها .

فقد أدبر يسعى في الكيد والمحاولة , فحشر السحرة والجماهير ؛ ثم انطلقت منه الكلمة الوقحة المتطاولة , المليئة بالغرور والجهالة : " أنا ربكم الأعلى " ..

قالها الطاغية مخدوعاً بغفلة جماهيره , وإذعانها وانقيادها . فما يخدع الطغاة شيء ما تخدعهم غفلة الجماهير وذلّتها وطاعتها وانقيادها . وما الطاغية إلا فردٌ لا يملك في الحقيقة قوةً ولا سلطاناً . إنما هي الجماهير الغافلة الذّلول , تمطّي له ظهرها فيركب ! وتَمدّ له أعناقها فيَجُر ! وتحنى له رؤوسها فيستعلي ! وتتنازل له عن حقها في العزة والكرامة فيطغى !

والجماهير تفعل هذا مخدوعةً من جهة وخائفة من جهة أخرى . وهذا الخوف لا ينبعث إلا من الوهم .

فالطاغية – وهو فرد – لا يمكن أن يكون أقوى من الألوف والملايين , لو أنها شعرت بإنسانيّتها وكرامتها وعزتها وحرّيتها .وكلّ فرد فيها هو كفء للطاغية من ناحية القوة ولكن الطاغية يخدعها فيوهمها أنه لا يملك لها شيئاً ! وما مكن أن يطغى فردٌ في أمةٍ كريمة أبداً . وما يمكن أن يطغى فرد في أمة رشيدة أبداً . وما يمكن أن يطغى فرد في أمة تعرف ربها وتؤمن به وتأبى أن تتعبد لواحدٍ من خلقه لا يملك لها ضراً ولا رشداً !

فأما فرعون فوجد في قومه من الغفلة ومن الذلة ومن خَواء القلب من الإيمان , ما جَرُؤ به على قول هذه الكلمة الكافرة الفاجرة : " أنا ربكم الأعلى " .. وما كان ليقولها أبداً لو وجد أمةً واعية كريمة مؤمنة , تعرف أنه عبدٌ ضعيف لا يقدر على شيء . وإن يَسلبه الذباب شيئاً لا يستنقذ من الذباب شيئاً !

وأمام هذا التطاول الوقح , بعد الطغيان البشِع , تحرّكت القوة الكبرى :

" فأخذه الله نَكال الآخرة والأولى " ..

ويُقدّم هنا نكال الآخرة على نكال الأولى .. لأنه أشدّ وأبقى . فهو النكال الحقيقي الذي يأخذ الطغاة والعُصاة بشدته وبخلوده .. ولأنه الأنسب في هذا السياق الذي يتحدث عن الآخرة ويجعلها موضوعه الرئيسي .

ونكال  الأولى كان عنيفاً قاسياً . فكيف بنكال الآخرة وهو أشد وأنكى ؟ وفرعون كان ذا قوة وسلطان ومجدٍ موروثٍ عريق ؛ فكيف بغيره  من المكذبين ؟ وكيف بهؤلاء الذين يواجهون الدعوة من المشركين ؟

" إنّ في ذلك لعبرةً لمن يخشى " ..

فالذي يعرف ربه ويخشاه هو الذي يُدرك ما في حادث فرعون من العبرة لسواه . أما الذي لا يعرف قلبُه التقوى فبينه وبين العبرة حاجز , وبينه وبين العظة حجاب . حتى يصطدم بالعاقبة اصطداماً . وحتى يأخذه الله نكال الآخرة والأولى . وكلٌ مُيسّر لنهج , وكلٌ ميسرٌ لعاقبة . والعبرة لمن يخشى ..

ومن هذه الجولة في مصارع الطغاة المُعتدّين بقوّتهم , يعود إلى المشركين المعتزين بقوّتهم كذلك . فيردّهم إلى شيء من مظاهر القوة الكبرى , في هذا الكون الذي لا تبلغ قوّتهم بالقياس إليه شيئاً :

" أأنتم أشدّ خلقاً أم السماء ؟ بناها . رَفَعَ سَمْكَها فسوّاها . وأغطَشَ ليلها وأخرج ضُحاها . والأرض بعد ذلك دَحَاها . أخرج منها ماءها ومرعاها . والجبال أرساها . متاعاً لكم ولأنعامكم " ..

وهو استفهامٌ لا يحتمل إلا إجابة واحدة بالتسليم الذي لا يقبل الجدل : " أأنتم أشدّ خلقاً أم السماء ؟ " ..

السماء ! بلا جِدال ولا كلام ! فما الذي يغرّكم من قوّتكم والسماء أشدّ خلقاً منكم , والذي خلَقها أشدّ منها ؟ هذا جانبٌ من إيحاء السؤال . وهناك جانبٌ آخَر . فما الذي تستصعبونه من أمرِ بعثكم ؟ وهو خلَقَ السماء وهي أشدّ من خلقِكم ؛ وبعثُكُم هو إعادةٌ لخلقكم , والذي بنى السماء وهي أشدّ . قادرٌ على إعادتكم وهي أيسر !

هذه السماء الأشدّ خلقاً بلا مِراء .. " بناها " .. والبناء يوحي بالقوة والتماسك , والسماء كذلك . متماسكة . لا تختلّ ولا تتناثر نجومها وكواكبها . ولا تخرج من أفلاكها ومَداراتها , ولا تتهاوى ولا تنهار . فهي بناءٌ ثابت وَطيدٌ متماسك الأجزاء .

" رَفَعَ سَمْكَها فسوّاها " .. وسَمْكُ كلّ شيء قامَته وارتفاعه . والسماء مرفوعة في تناسق وتماسك . وهذه هي التسوية :" فسوّاها " .

" وأغْطَشَ ليلها وأخرجَ ضُحاها " .. وأغطش ليلها أي أظلمه . وأخرج ضحاها . أي : أضاءها .

وتوالي حالتي الظلام والضياء , في الليل والضحى الذي هو أول النهار , حقيقة يراها كلّ أحد ؛ ويتأثر بها كلّ قلب . وقد ينساها بطول الألفة والتكرار , فيعيد القرآن جِدّتها بتوجيه المشاعر إليها . وهي جديدةٌ أبداً . تجدد كلّ يوم , ويتجدد الشعور بها والانفعال بوقعها .

" والأرض بعد ذلك دَحَاها . أخرج منها ماءها ومَرعاها . والجبال أرساها " ..

ودَحو الأرض تمهيدها وبسط قشرتها , بحيث تصبح صالحة للسير عليها ,  وتكوينُ تُربةٍ تصلح للإنبات , وإرساء الجبال وهو نتيجة لاستقرار سطح الأرض ووصول درجة حرارته إلى هذا الاعتدال الذي يسمح بالحياة .

والله أخرج من الأرض ماءها سواءً ما يتفجّر من الينابيع , أو ما ينزل من السماء فهو أصلاً من ماءها الذي تبخّر ثم نزل في صورة مطر . وأخرج من الأرض مَرعاها وهو النبات الذي يأكله  الناس والأنعام وتعيش عليه الأحياء مباشرةً وبالواسطة ..

وكلّ أولئك كان بعد بناء السماء , وبعد إغطاش الليل وإخراج الضحى .

والقرآن يُعلن أنّ هذا كلّه كان : " متاعاً لكم ولأنعامكم " .. فيُذكّر الناسَ بعظيم تدبير الله لهم من ناحية .

كما يشير إلى عَظَمة تقدير الله في مُلكه . فإنّ بناء السماء على هذا النحو , ودَحو الأرض على هذا النحو أيضاً لم يكونا فلتةً ولا مُصادفة . إنما كان محسوباً فيهما حساب هذا الخَلق الذي سَيُستخلَف في الأرض . والذي يقتضي وجوده  ونُموّه ورُقيّه موافقاتٍ كثيرة جداً  في تصميم الكون . وفي تصميم المجموعة الشمسية بصفة خاصة . وفي تصميم الأرض بصفةٍ أخص .

والقرآن – على طريقته في الإشارة المجملة الموحية المتضمّنة  لأصل الحقيقة – يَذكر هنا من هذه الموافقات بناء السماوات , وإغطاش الليل , وإخراج الضحى , ودَحو الأرض وإخراج ماءها ومرعاها , وإرساء جبالها .

متاعاً للإنسان وأنعامه . وهي إشارةٌ توحي بحقيقة التدبير والتقدير في بعض مظاهرها المكشوفة للجميع , الصالحة لأن يخاطب بها كلّ إنسان , في كلّ بيئة وفي كلّ زمان , فلا تحتاج إلى درجةٍ من العلم والمعرفة  , تزيد على نصيب الإنسان حيث كان . حتى يَعمّ الخطاب بالقرآن لجميع بني الإنسان في جميع أطوار الإنسان , في جميع الأزمان .

ووراء هذا المستوى آمادٌ وآفاقٌ أخرى من هذه الحقيقة الكبرى . حقيقة التقدير والتدبير في تصميم هذا الكون الكبير . واستبعاد المصادَفة والجُزاف استبعاداً تنطق به طبيعة هذا الكون , وطبيعة المصادَفة التي يستحيل معها تَجَمّع كلّ تلك الموافقات العجيبة .

هذه الموافقات التي تبدأ من كون المجموعة الشمسية التي تنتمي إليها أرضنا هي تنظيم نادر بين  مئات الملايين من المجموعات النجمية . وأنّ الأرض نمطٌ فريد غير مُكرر بين الكواكب بموقعها هذا في المنظومة الشمسية .

الذي يجعلها صالحة للحياة الإنسانية . ولا يعرف البشر – حتى اليوم – كوكباً آخَر تجتمع له  هذه الموافقات الضرورية . وهي تُعدّ بالآلاف .

" لا بدّ من الحجم الملائم , لأنّ بقاء الجوّ الهوائي حول الكوكب يتوقف على ما فيه من قوة الجاذبية .

" ولا بدّ من البُعد المعتدل  لأنّ الجِرم القريب من الشمس حار لا تتماسك فيه الأجسام , والجرم البعيد من الشمس باردٌ لا تتخلخل فيه تلك الأجسام .

" ولا بدّ من التركيب الذي تتوافق فيه العناصر على النسبة التي تنشط بها حركة الحياة , لأنّ هذه النسبة لازمة لنشأة النبات ونشأة الحياة التي تعتمد عليه في تمثيل الغذاء .

" وموقع الأرض حيث هي أصلح المواقع لتوفير هذه  الشروط التي لا غنى عنها للحياة , في الصورة التي نعرفها , ولا نعرف لها صورة غيرها حتى الآن " .

وتقرير حقيقة التدبير والتقدير في تصميم هذا الكون الكبير , وحساب مكانٍ للإنسان فيه ملحوظ في خلقه وتطويره أمرٌ يُعدّ القلب والعقل لتلقي حقيقة الآخرة وما فيها من حساب وجزاء باطمئنانٍ وتسليم . فما يُمكن أن يكون هذا هو واقع النشأة الكونية والنشأة الكونية ثم لا تُتم تمامها , ولا تَلقى جزاءَها . ولا يكون معقولاً أن ينتهي أمرها بنهاية الحياة القصيرة في هذه العاجلة الفانية . وأن يمضي الشرّ والطغيان والباطل ناجياً بما كان منه في هذه الأرض . وأن يمضي الخير والعدل والحق بما أصابه كذلك في هذه الأرض .. فهذا الفرض مخالف في طبيعته لطبيعة التقدير والتدبير الواضحة في تصميم الكون الكبير .. ومن ثمّ تلتقي هذه الحقيقة التي لَمَسَها السياق في هذا المقطع بحقيقة الآخرة التي هي الموضوع الرئيسي في السورة . وتصلح تمهيداً لها في القلوب والعقول , يجيء بعده ذِكر الطامة الكبرى في موضعه وفي حينه !

Untitled Document

الحلقات السابقة