|
||||||||||||||||||||||||
|
||||||||||||||||||||||||
|
الحلقة الرابعة: والنازعات غرقاً * والناشِطات نشطا * والسّابحات سبحاً * فاسابقات
سبقاً * فالمُدبّرات أمراً * يوم ترجف الراجفة * تتبعها الرادِفة * قلوبٌ يومئذٍ
واجِفة * أبصارها خاشعة * يقولون أءِنا لَمَردودون في
الحافِرة * أءذا كنا عظاماً نَخِرة * قالوا تلك إذاً
كَرّةٌ خاسرة * فإنما هي زجرةٌ واحدة * فإذا هم بالسّاهرة .....
الخ الشرح : "
والنازعات غرقاً . والناشِطات نَشطا
. والسّابحات سبحا . فالسابقات سبقاً . فالمدبّرات أمراً " . قيل في تفسير هذه الكلمات : إنها
الملائكة نازعات للأرواح نزعاً شديداً . ناشطات
مُنطلِقات في حركاتها . سابحات في العوالم العُليا
سابقاتٍ للإيمان أو للطاعة لأمر ربها مُدبّراتٍ ما يوكل من الأمور إليها .. وقيل : إنها النجوم تنزع في
مداراتها وتتحرك وتنشط منتقلة من منزلٍ إلى منزل . وتسبح سبحاً في فضاء الله وهي
معلّقةٌ به . وتسبقُ سبقاً في جريانها ودوَرانها . وتُدبّر من النتائج والظواهر ما وَكَله الله إليها
مما يؤثر في حياة الأرض ومن عليها . وقيل : النازعات والناشطات والسابحات والسابقات هي النجوم . والمُدبّرات هي الملائكة . وقيل : النازعات والناشطات والسابحات هي النجوم . والسابقات والمدبّرات هي الملائكة .. وأياً ما كانت
مدلولاتها فنحن نحسّ من الحياة في الجو القرآني أنّ إيرادها على هذا النحو , ينشئ أولاً وقبل كلّ شيء هزةً في الحس , وتوجّساً في
الشعور , وتوفّزاً وتوقعاً لشيء يهول ويُروّع . ومن ثمّ
فهي تشارك في المطلع مشاركةً قوية في إعداد الحسّ لتلقي ما يروّع ويهول من أمر
الراجفة والرادفة والطامة الكبرى في النهاية ! وتمشّياً مع هذا الإحساس نؤثر أن ندعها هكذا بدون زيادة في
تفصيل مدلولاتها ومناقشتها ؛ لنعيش في ظلال القرآن بموحياته وإيحاءاته على طبيعتها . فهزّة القلب وإيقاظه هدفٌ
في ذاته , يتحرّاه الخِطاب القرآني بوسائل شتى .. ثمّ
إنّ لنا في عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – أُسوة . وقد
قرأ سورة : " عبس وتولى " حتى جاء إلى قوله تعالى : " وفاكهةٍ
وأبّاً " .. فقال : " قد عرفنا الفاكهة . فما
الأبّ ؟ ثم استدرك قائلاً : لعمرك يا بن الخطاب إنّ هذا
لهو التكلّف ! وما عليك ألا تعرف لفظاً في كتاب الله
تعالى ؟! " ... وفي روايةٍ أنه
قال : كلّ هذا قد عرفنا فما الأبّ ؟ ثمّ رفض عصاً كانت بيده – أي كسَرها
غضباً على نفسه – وقال : " هذا لعمرُ الله التكلف !
وما عليك يا بن أمّ عمر أن لا تدري ما لأبّ " ثم قال :
" اتبعوا ما تبيّن لكم من هذا الكتاب , وما لا فدَعوه " .. فهذه كلمات
تنبعث عن الأدب أمام كلمات الله العظيمة . أدب العبد
أمام كلمات الربّ . التي قد يكون بقاؤها مُغلّفةً هدفاً
في ذاته , يؤدي غرضاً بذاته .
هذا المَطلع جاء في صيغة القسَم , على
أمرٍ تُصوِّره الآيات التالية في السورة : " يوم ترجُف الراجفة . تتبعها
الرادفة . قلوبٌ يومئذٍ واجفة .
أبصارها خاشعة . يقولون :
أإنّا لمَردودون في الحافِرة ؟ أإذا كنا عظاماً نَخِرة ؟ قالوا : تلك إذاً كرّةٌ خاسرة ! .. فإنما
هي زجرةٌ واحدة . فإذا هم بالساهرة "
.. والراجفة وَرَدَ أنها الأرض استناداً إلى قوله تعالى في سورةٍ أخرى : " يوم ترجف الأرض والجبال " .. والرادِفة : وردَ أنها السماء . أي أنها تردف الأرض وتتبعها
في الانقلاب حيث تنشقّ وتتناثر كواكبها .. كذلك ورد أنّ الراجفة هي الصيحة الأولى ,
التي ترجف لها الأرض والجبال والأحياء جميعاً , ويُصعق لها من في السماوات ومن في
الأرض إلا مَن شاء الله . والرادفة هي النفخة الثانية التي يَصحون عليها ويُحشرون
( كما جاء في سورة الزُّمَر آية 68 ) .. وسواءً كانت هذه أو تلك . فقد أحسّ
القلب البشري بالزلزلة والرجفة والهول والاضطراب ؛
واهتزّ هزة الخوف والوجل والرعب والارتعاش . وتهيأ لإدراك ما يُصيب القلوب يومئذٍ
من الفزَع الذي لا ثبات معه ولا قرار . وأدركَ وأحسّ
حقيقة قوله : " قلوبٌ يومئذٍ واجفة .
أبصارها خاشعة " .. فهي شديدة الاضطراب , بادِيةُ
الذلّ يجتمع عليها الخوف والانكسار , والرجفة , والانهيار . وهذا هو الذي يقع يوم
ترجُف الراجفة تتبعها الرادفة ؛ وهذا هو الذي يتناوله
القَسَم بالنازعات غرقاً والناشطات نشطاً , والسابحات
سبحاً , والسابقات سبقاً , فالمدبرات أمراً . وهو مشهدٌ يتفق في ظله وإيقاعه مع
ذلك المطلع . ثمّ يمضي السياق يتحدث عن وَهلَتِهِم وانبهارهم حين يقومون
من قبورهم في ذهول : " يقولون أإنّا لمردودون
في الحافِرة ؟ أإذا كنا عِظاماً نخرة ؟ " .. فهم يتساءلون : أنحن مردودون إلى
الحياة عائدون في طريقنا الأولى .. رجعَ في حافرته : أي
في طريقه التي جاء منها . فهم في وهلَتِهِم وذهولهم يسألون :
إن كانوا راجعين في طريقهم إلى حياتهم ؟ ويُدهَشون : كيف
يكون هذا بعد إذ كانوا عظاماً نَخِرة . منخوبة يصوّت فيها الهواء ؟ ! ولعلهم يفيقون , أو يُبصرون , فيعلمون أنها كرّةٌ إلى الحياة
, ولكنها الحياة الأخرى , فيشعرون بالخسارة والوَبال في هذه الرجعة , فتنِدّ منهم
تلك الكلمة : " قالوا : تلك إذاً كَرّةٌ
خاسرة " ! كرةٌ لم يَحسِبوا حسابها , ولم
يقدّموا لها زادها ,وليس لهم فيها إلا الخُسران الخالص ! هنا – في مواجهة هذا المشهد – يُعقّب السياق القرآني بحقيقة
ما هو كائن : " فإنما هي زجرةٌ واحدة .
فإذا هم بالساهرة " .. والزجرة
:
هي الصيحة . ولكنها تقال هنا بهذا اللفظ العنيف تنسيقاً لِجَوّ المشهد مع مشاهد
السورة جميعاً . والساهرة هي الأرض البيضاء اللامعة .
وهي أرض المَحشر , التي لا ندري نحن أين تكون . والخبر عنها لا نعرفه إلا مِن
الخبر الصادق نتلقّاه , فلا نزيد عليه شيئاً غير موثوقٍ
به ولا مضمون ! وهذه الزجرة الواحدة يغلب –
بالاستناد إلى النصوص الأخرى – أنها النفخة الثانية .
نفخة البعث والحشر . والتعبير عنها فيه سرعة . وهي
ذاتها توحي بالسرعة . وإيقاع السورة كلّها فيه هذا اللون
من الإسراع والإيجاف . والقلوب الواجفة تأخذ صفتها هذه من سرعة النبض
, فالتناسق مَلحوظ في كلّ حركةٍ وفي كل لَمحة , وفي كلّ ظلٍ في السياق !
ثمّ يهدأ الإيقاع شيئاً ما , في الجولة القادمة ,
ليُناسب جوّ القَصص , وهو يعرِض ما كان بين موسى وفرعون , وما انتهى إليه هذا
الطاغية عندما طغى : " هل أتاك حديث موسى . إذ
ناداه ربّه بالوادي المقدّس طُوى . اذهب إلى فرعون إنه طغى . فقل : هل لك إلى أن تزكّى ؟
وأهديكَ إلى ربك فتخشى ؟ فأراه الآية الكُبرى . فكذّب وعصى , ثمّ أدبر يسعى . فحَشَرَ فنادى .
فقال : أنا ربّكم الأعلى . فأخَذَه الله نَكَالَ الآخرة والأولى .. إنّ في ذلك لَعبرةً لِمن يخشى
" .. وقصة موسى هي أكثر القصص وروداً وأكثرها تفصيلاً في القرآن .. وقد ورَدَت من قبل في سورٍ كثيرة
. ورَدَت منها حلَقَات منوّعة .
ووردت في أساليب شتى . كلٌ منها تناسب سياق السورة التي
وردت فيها ؛ وتشارك في أداء الغرض البارز في السياق .
على طريقة القرآن في إيراد القصص وسَردِه . وهنا تَرِد هذه القصة مختصرة سريعة المشاهد منذ أن نودي موسى
بالوادي المقدّس , إلى أخْذِ فرعون .. أخذه في الدنيا ثم
في الآخرة .. فتلتقي بموضوع السورة
الأصيل . وهو حقيقة الآخرة . وهذا المدى الطويل
من القصة يرد هنا في آيات معدودات قِصارٍ سريعة , ليناسب
طبيعة السورة وإيقاعها . وتتضمن هذه الآيات القِصار السريعة عدة حَلَقاتٍ ومشاهد من القصة .. وهي تبدأ بتوجيه الخطاب إلى الرسول – صلى الله عليه وسلم - : " هل أتاك حديث موسى ؟ " ..
وهو استفهام للتمهيد وإعداد النفس والأذن لتلقي القصة وتملّيها
.. ثم تأخذ في عرض الحديث كما تسمى القصة .
وهو إيحاءٌ بواقعيّتها فهي حديث جرى . فتبدأ بمشهد
المناداة والمناجاة : " إذ ناداه ربه بالوادي
المقدس طوى " .. وطُوى اسم الوادي على الأرجح . وهو
بجانب الطور الأيمن بالنسبة للقادم من مَدْيَنَ في شمال الحجاز
. " اذهب إلى فرعون . إنه طغى " .. والطغيان أمرٌ لا ينبغي أن يكون ولا أن يبقى . إنه أمرٌ كريه , مُفسدٌ للأرض , مُخالفٌ لما يُحبه الله , مؤدٍ لما يكره
.. فمِن أجلِ مَنعه ينتدب الله عبداً من عباده المختارين
. ينتدبه بنفسه سبحانه . ليحاول وقف هذا الشر , ومنع هذا الفساد ,ووقف هذا الطغيان .. إنه أمرٌ كريه
شديد الكراهية حتى لَيُخاطب الله بذاته عبداً من عباده
ليذهب إلى الطاغية , فيحاول ردّه عما هو فيه , والإعذار إليه قبل أن يأخذه الله تعالى نكال الآخرة والأولى ! |
|
|||||||||||||||||||||||