|
||||||||||||||||||||||||
|
||||||||||||||||||||||||
|
الحلقة الثالثة : "
وجعلنا نومكم سُباتاً . وجعلنا الليل لباساً . وجعلنا النهار مَعاشاً " .. وكان
من تدبير الله للبشر أن جعل النوم سُباتاً يُدركهم فيقطعهم عن الإدراك والنشاط ؛
ويجعلهم في حالة لا هي موت ولا هي حياة , تتكفّل بإراحة أجسادهم وأعصابهم وتعويضها
عن الجهد الذي بذلته في حالة الصحو والإجهاد والانشغال بأمور الحياة .. وكلّ هذا
يتمّ بطريقة عجيبة لا يُدرك الإنسان كُنهها , ولا نصيب لإرادته فيها ؛ ولا يكن أن
يعرف كيف تتم في كيانه . فهو في حالة الصحو لا يعرف كيف يكون وهو في حالة النوم .
وهو في حالة النوم لا يدرك هذه الحالة ولا يقدر على ملاحظتها ! وهي سرٌ من أسرار
تكوين الحي لا يعلمه إلا من خلق هذا الحي وأودَعه ذلك السر ؛ وجعل حياته متوقفةً
عليه . فما من حيٍ يُطيق أن يظلّ من غير نوم إلا فترةً محدودة . فإذا أُجبر
إجباراً بوسائل خارجية عن ذاته كي يظلّ مُستيقظاً فإنه يهلك قطعاً . وفي
النوم أسرارٌ غيرُ تلبية حاجة الجسد والأعصاب .. إنه هُدنة الروح من صراع الحياة
العنيف , هدنة تُلِمّ بالفرد فيُلقي سلاحه
وجُنّته – طائعاً أو غير طائع
– ويستسلم لفترة من السلام الآمِن , السلام الذي يحتاجه الفرد حاجَته إلى الطعام
والشراب . ويقع ما يُشبه المعجزات في بعض الحالات حيث يُلمّ النُّعاس بالأجفان ,
والروح مُثقل , والأعصاب مَكدودة , والنفس مُنزعجة , والقلب مُرَوّع وكأنما هذا
النعاس – وأحياناً لا يزيد على لحظات – انقلابٌ تامٌ في كيان هذا الفرد . وتجديد
كاملٌ لِقُواه بل له هو ذاته , وكأنما هو كائن حين يصحو جديد .. ولقد وقعت هذه
المعجزة بشكلٍ واضح للمسلمين المَجهودين في غزوة بدر وفي غزوة أُحُد , وامتنّ الله
عليهم بها . وهو يقول : " إذ يُغَشِّيكُم النّعاسَ أَمَنةً منه " ..
" ثمّ أنزلَ عليكم من بعد الغمّ أَمَنةً نُعاساً يغشى طائفةً منكم " ..
كما وقعت للكثيرين في حالاتٍ مُشابِهة ! فهذا
السّبات : أي الانقطاع عن الإدراك والنّشاط بالنوم ضرورةٌ من ضرورات تكوين الحي ؛
وسرٌ من أسرار القدرة الخالقة ؛ ونعمةٌ من نعم الله لا
يَملِك إعطاءها إلا إياه . وتوجيه النظر إليها على هذا النحو القرآني يُنبِّه
القلب إلى خصائص ذاته ,وإلى اليد التي أودَعَتها كيانَه , ويَلمسه لمسةً تُثير
التأمل والتدبّر والتأثر .وكان من تدبير الله كذلك أن جعل حركة الكون مُوافقةً
لحركة الأحياء . وكما أودع الإنسانَ سرَّ النوم والسّبات , بعد العمل والنشاط ,
فكذلك أودع الكون ظاهرةَ الليل ليكون لِباساً ساتراً يتمّ فيه السّبات والانزواء . وظاهرة
النهار ليكون مَعاشاً تتمّ فيه الحركة والنشاط .. بهذا تَوافَقَ خلق الله وتناسَق
. وكان هذا العالَم بيئةً مُناسبةً للأحياء . تُلبّي ما رُكِّبَ فيهم من خصائص .
وكان الأحياء مُزَوَّدين بالتركيب المتّفِق في حركته
وحاجاته مع ما هو مُودَعٌ في الكون من خصائص ومُوافقات . وخَرَجَ هذا وهذا مِن يدِ
القدرة المبدعة المدبرة مُتَّسِقاً أدقّ اتساق ! واللمسة
الثالثة في خلق السماء متناسقةً مع الأرض والأحياء : "
وبنينا فوقكم سبعاً شداداً .وجعلنا سِراجاً وهّاجاً . وأنزلنا من المعصرات ماءً ثجّاجاً . لنُخرجَ بهه حباً ونباتاً ’ وجنّاتٍ ألفافاً
" .. والسبع
الشّداد التي بناها الله فوق أهل الأرض هي السماوات السبع , وهي الطرائق السبع في
موضعٍ آخَر ..تُشير هذه الآية إلى أنّ هذه السبع الشداد متينة التكوين , قوية
البناء . كما تُشير إلى أنّ بناء هذه السبع الشِّداد متناسقٌ مع عالم الأرض
والإنسان . ومن ثمّ يُذكر في مَعرِض تدبير الله وتقديره لحياة الأرض والإنسان .
يدلّ على هذا ما بعدَه : " وجعلنا سِراجاً وهّاجاً " .. وهو الشمس
المضيئة الباعثة للحرارة التي تعيش عليها الأرض وما فيها من الأحياء . والتي تؤثّر
كذلك في تكوين السّحائب بتبخير المياه من
المحيط الواسع في الأرض ورَفها إلى طبَقات الجوِّ العُليا وهي المُعصرات
: " وأنزلنا من المعصرات ماءً ثجّاجاً
" .. حين تُعصَرُ فتَخِرّ ويتساقط ما فيها من الماء . ومن يعصرها قد تكون هي
الرياح وقد يكون هو التفريغ الكهربائي في طبقات الجو . ومن وراء هذه وتلك يد
القدرة التي تودع الكون هذه المؤثّرات ! وفي السِّراج تَوقّدٌ وحرارةٌ وَضَوء ..
وهو ما يتوافر في الشمس . فاختيار كلمة " سراج " دقيق كلّ الدقّة ومُختار
.. ومن السراج الوهّاج وما يَسكُبه من أشعّة فيها ضوءٌُ
وحرارة , ومن المعصرات وما يُعتصَر منها من ماءٍ ثجّاج , ينصبّ دُفعَةً بعد دُفعة يَخرج الحَبّ والنبات الذي
يُؤكل هو ذاته , والجنات الألفاف الكثيفة الكثيرة
الأشجار المُلتفّةِ الأغصان . وهذا
التناسق في تصميم الكون , لا يكون إلا ووراءه يدٌ تُنَسّقه , وحكمةٌ تُقَدِّره ,
وإرادةٌ تُدَبِّره . يُدرك هذا بقلبه وحِسّه كلّ إنسان حين تُوَجه مَشاعره هذا
التوجيه , فإذا ارتقى في العلم والمعرفة تَكشّفت له من هذا التناسق آفاقٌ ودَرَجات
تُذهل العقول وتُحيّر الألباب . وتجعل القول بأنّ هذا كلّه مُجَرّد مُصادَفة قولاً
تافهاً لا يستحقّ المناقشة . كما تجعل التّهرّب من مواجهة حقيقة القصد والتدبير في
هذا الكون , مُجرّد تعنّت لا يستحقّ الاحترام ! إنّ
لهذا الكون خالقاً , وإنّ وراء هذا الكون تدبيراً
وتقديراً وتنسيقاً . وتَوالي هذه الحقائق والمشاهد في هذا النصّ القرآني على هذا
النحو : من جعل الأرض مِهاداً والجبال أوتاداً . وخلق الناس أزواجاً . وجعلَ
نومَهم سُباتاً ( بعد الحركة والوعي والنشاط ) مع جعل الليل لباساً للستر
والانزواء , وجعل النهار معاشاً للوعي والنشاط . ثمّ
بناء السّبع الشِّداد . وجعل السّراج الوهّاج . وإنزال
الماء الثجّاج من المعصرات .
لإنبات الحبّ والنبات والجنّات .. تَوالي هذه الحقائق والمشاهد على هذا النحو يوحي
بالتناسق الدقيق , ويَشي بالتدبير والتقدير ,ويُشعِر بالخالق الحكيم القدير .
ويلمس القلب لمَساتٍ موقظة مُوحية بما وراء هذه الحياة من قصدٍ وغاية .. ومن هنا
يلتقي السياق بالنبأ العظيم الذي هم فيه مُختلفون ! ولقد
كان ذلك كلّه للعمل والمتاع . ووراءَ هذا كلّه حسابٌ وجزاء . ويوم الفصل هو الموعد
المَوقوت للفصل : " إنّ يوم الفصل كان ميقاتاً . يوم يُنفخُ في الصور فتأتون
أفواجاً . وفٌتحت السماء فكانت أبواباً . وسُيِّرت الجبال فكانت سراباً " ..
إنّ الناس لم يُخلقوا عبَثاً ولم يُتركوا سُدى . والذي قدّرَ حياتهم ذلك التقدير
الذي يَشي به المقطع الماضي في السّياق , ونسّق حياتهم مع الكون الذي يعيشون فيه
ذلك التنسيق , لا يُمكن أن يَدَعهم يعيشون سُدى ويموتون همَلاً ! ويُصلحون في
الأرض أو يُفسدون ثم يذهبون في التراب ضياعاً ! ويهتدون في الحياة أو يَضلّون ثمّ
يَلقون مصيراً واحداً . ويَعدلون في الأرض أو يظلمون ثم يذهب العدل والظلم جميعاً
! إنّ
هنالك يوماً للحُكم والفرقان والفصل في كلّ ما كان . وهو اليوم المرسوم الموعود
الموقوت بأجلٍ عند الله معلومٍ محدود : " إنّ يوم الفصل كان ميقاتاً "
.. وهو
يومٌ ينقلب فيه نظام هذا الكون وينفرط فيه عِقد هذا النظام . "
يوم يُنفخ في الصور فتأتون أفواجاً . وفُتحت السماء فكانت أبواباً , وسُيّرت
الجبال فكانت سراباً " .. والصور
: البُوق . ونحن لا ندري عنه إلا اسمه . ولا نعلم إلاّ أنه سيُنفخ فيه . وليس لنا
أن نشغل أنفسنا بكيفية ذلك . فهي لا تزيدنا إيماناً ولا تأثّراً بالحادث . وقد
صانَ الله طاقتنا عن أن تتبدّد في البحث وراء هذا الغيب المَكنون , وأعطانا منه
القَدْر الذي ينفعنا فلا نزيد ! إنما نحن نتصوّر النفخة الباعثة المجمعة التي يأتي
بها الناس أفواجاً .. نتصوّر هذا المشهد والخلائق التي توارَت شُخوصها جيلاً بعد
جيل , وأخلَت وَجه الأرض لمن يأتي بعدها كي لا يضيق بهم وجه الأرض المحدود ..
نتصور مشهد هذه الخلائق جميعاً .. أفواجاً .. مبعوثين قائمين آتين من كلّ فَج إلى
حيث يُحشرون . ونتصور الأجداث المبعثرة وهذه الخلائق منها قائمة . ونتصور الجموع
الحاشدة لا يَعرف أولها آخِرها , ونتصور هذا الهول الذي
تثيره تلك الحشود التي لم تتجمع قط في وقتٍ واحد وفي ساعةٍ واحدة إلا في هذا اليوم
. "
وفُتحت السماء فكانت أبواباً . وسُيّرت الجبال فكانت أبواباً " .. السماء
المَبنيّة المتينة .. فُتحت فكانت أبواباً .. فهي مُنشقة . مُنفرجة . كما جاء في
مواضع وسورٍ أُخرى . عن
هيئة لا عهدَ لنا بها . والجبال
الرواسي الأوتاد سُيِّرت فكانت سراباً . فهي مَدكوكةٌ مَبسوسة
مُثارةٌ في الهواء هباءً , يُحرّكه الهواء – كما جاء في مواضع وسور أخرى . ومن
ثَمّ فلا وجود لها كالسراب الذي ليس له حقيقة . أو إنها تنعكس إليها الأشعة وهي
هباء فتبدو كالسراب ! |
|
|||||||||||||||||||||||