قال تعالى وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ
بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ {106} أَفَأَمِنُواْ أَن تَأْتِيَهُمْ
غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ اللّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ
يَشْعُرُونَ {107} قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ
أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
{108}
(
يوسف/106-108)
معاني المفردات:
وما يؤمن أكثرهم بالله : في
إقرارهم بوجوده وخالقيته .
إلاّ وهم مشركون : بعبادة غيره أو باتخاذ الأحبار أربابا
ونسبة التبني إليه سبحانه وتعالى عما يقولون . وقيل الآية في مشركي مكة . وقيل في
المنافقين . وقيل في أهل الكتاب .
أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من
عذاب أليم : عقوبة تغشاهم وتشملهم .
أو تأتيهم الساعة بغتة : فجأة من
غير سابقة علامة .
وهم لا يشعرون : بإتيانها
غير مستعدين لها .
قل هذه سبيلي : يعني
الدعوة إلى التوحيد والإعداد للمعاد , ولذلك فسر السبيل بقوله :
أدعو إلى الله : وقيل هو
حال من الياء .
على بصيرة: بيان وحجة
واضحة غير عمياء . ( أنا ) تأكيد للضمير المستتر في :
أدعو : أو (على
بصيرة) لأنه حال منه أو مبتدأ خبره على بصيرة
ومن اتبعني : عطف عليه .
وما أنا من المشركين : وأنزهه
تنزيها من الشركاء .
شرح الآيات:
لقد كان الرسول e
حريصا
على إيمان قومه , رغبة في إيصال الخير الذي جاء به إليهم ورحمة لهم مما كان ينتظر
المشركين من نكد الدنيا وعذاب الآخرة , ولكن الله العليم بقلوب البشر الخبير
بطبائعهم وأحوالهم , يُنهي إليه e أن حرصه على إيمانهم لن يسوق الكثرة المشركة إلى الإيمان .
وحتى الذين يؤمنون , كثير منهم يتدسس الشرك -
في صورة من صوره – إلى قلوبهم . فالإيمان الخالص يحتاج على يقظة دائمة تنفي عن
القلب , أولا بأول , كل خلجة شيطانية وكل اعتبار من اعتبارات هذه الأرض , في كل
حركة وكل تصرف لتكون كلها لله خالصة له دون سواه (( وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم
مشركون )) !! مشركون بالله في أحد أنواع الشرك : قيمة أو سببا أو خضوعا لقوة غير
قوة الله أو رجاء يتعلق بغير الله , او في جهاد لتحقيق نفع أو دفع ضرر , ولكن لغير
الله , قال عليه الصلاة والسلام :
"الشرك فيكم أخفى من دبيب النمل."
رواه أبو يعلى الموصلي بإسناده . وقال :" من حلف بغير الله فقد أشرك."
رواه الترمذي بإسناد صحيح عن ابن عمر . وقال أيضا :" إن الرقى والتمائم شرك
." أخرجه أحمد وأبو داود عن ابن مسعود . وقال أيضا :" إذا جمع الله
الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه ينادي مناد : من كان أشرك في عملٍ عمله لله ,
فليطلب ثوابه من عند غير الله , فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك ." أخرجه
أحمد عن أبي سعيد عن أبي فضالة . وجاء في الحديث "إن أخوف ما أخاف عليكم
الشرك الأصغر " قالوا وما الشرك الأصغر يا رسول الله ؟ قال:" الرياء ,
يقول الله تعالى يوم القيامة : إذا جاء الناس بأعمالهم : اذهبوا إلى الذين كنتم
تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم من جزاء ؟ "
فهذا هو الشرك الخفي الذي يحتاج إلى اليقظة
الدائمة للتحرز منه ليخلص الإيمان .
وإذا كانت هذه آيات القرآن الذي يحمل دليل
الرسالة وكانت الآيات التي يحفل بها الكون معروضة للأنظار , يمرون عليها وهم عنها
معرضون , ويشركون بالله شركا ظاهرا أو خفيا, وهم الأكثرون , فالنبي e ماض في طريقه هو ومن اهتدى بهديه لا ينحرفون ولا يتأثرون
بالمنحرفين :
(( قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة
أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين))
أي هذه سبيلي التي أدعو إليها , سبيل
واحدة مستقيمة لا عوج فيها ولا شك ولا شبهة :
(( أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني )) فنحن على هدى من الله ونور ,
نعرف طريقنا جيدا ونسير فيها على بصيرة وإدراك ومعرفة , فهو اليقين البصير
المستنير , ننزه الله عما لا يليق بألوهيته , وننفصل وننعزل ونتميز عن الذين
يشركون به :
(( وما أنا من المشركين )) .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
كتبه
محمد إسماعيل السيد أحمد
باحث في هيئة الإغاثة الإسلامية
بمكة المكرمة