الحلقة السادسة عشر

قد يكذب القلب بالحساب والجزاء ثم يستقيم على هدى ولا خير ولا طاعة وقد ترتفع القلوب وتشف فتطيع ربها وتعبده حباً فيه لا خوفاً من عقابه ولا طعماً في ثوابه ولكنها تؤمن بيوم الدين وتخشاه وتتطلع إليه لتلقى ربها الذي تخبه وتشتاق لقاءه وتتطلع إليه فأما حين يكذب الإنسان تكذيباً بهذا اليوم فلن يشتمل على أدب ولا طاعة ولا نور ولن يحيا قلب ولن يستيقظ فيه ضمير تكذبون بيوم الدين وأنتم صائرون إليه وكل ما عملتم محسوب عليكم فيه لا يضيع منه شيء ولا ينسى منه شيء " وإن، عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون ‍

وهؤلاء الحافظون هم الأرواح الموكلة بالإنسان ــ من الملائكة ــ التي ترافقه وتراقبه وتحصي عليه كل ما يصدر عنه ونحن لا ندري كيف يقع هذا كله ولسنا بمكلفين أن نعرف كيفيته فالله يعلم أننا لم نوهب الاستعداد لإدراكها وأنه لا خير لنا في إدراكها لأنها غير داخله في وظيفتنا وفي غاية وجودنا فلا ضرورة الاستعداد لإدراكها وأنه لا خير لنا في إدراكها لأنها غير داخلة في وظيفتنا وفي غاية وجودنا فلا ضرورة للخوض فيما وراء المدى الذي كشفه الله لنا من هذا اللقب ويكفي أن يشعر القلب البشر أنه غير ماروك  سدى وأن عليه حفظه كراما كاتبين يعلمون ما يفعله ليرتعش ويرتعش ويستيقظ ويتأدب وهذا هو المقصود ولما كان جو كرم وكرامة فإنه يذكر من المحافظين كونهم  كراما لستجيش في القلوب إحساس الخجل والتجمل بحضرة هؤلاء الكرم فإن الإنسان ليحتشم ويستحي وهو بمحضر الكرام من الناس أن يسف أو يتبذل في لفظ أو حركة أو تصرف فكيف به حين يشعر ويتصور أنه في كل لحظاته وفي كل حالاته في حضرة حفظة من الملائكة كرام لا يليق أن يطلعوا منه إلا على كل كريم من الخصال والفعال إن القرآن ليستجيش في القلب البشري أرفع المشاعر بإقرار هذه الحقيقة فيه بهذا التصور الواقعي الحي القريب إلى الإدراك المألوف ثم يقرر مصير الأبرار ومصير الفجار بعد الحساب القائم على ما يكتبه الكرام الكاتبون : ( إن الأبرار لفي نعيم . إن الفجار لفي جحيم . يصلونها يوم الدين . وما هم عنها بغائبين ).... فهو مصير مؤكد وعاقبة مقررة أن ينهي الأبرار إلى النعيم أن ينهي الفجار إلى الجحيم والبر هو الذي يأتي

اعمال البر حتى تصبح له عادة وصفة ملازمة وأعمال البر هي كل خير على الإطلاق والصفة تتناسق في ظلها مع الكرم والإنسانية كما أن الصفة التي تقابلها (الفجار ) فيها سوء الأدب و ا لتوقح في مقارفة الإثم والمعصية والجحيم هي كفء للفجور ثم يزيد حالهم فيها ظهورا (يصلونها يوم الدين ) و يزيدها توكيدا وتقريرا ( و ما هم عنها بغائبين ) لا فرارا ابتداء ولا خلاصا بعد الوقوع فيها ولو إلى حين فيتم التقابل بين الأبرار والفجار وبين النعيم والجحيم مع زيادة الإيضاح والتقرير لحالة رواد الجحيم ولما كان يوم الدين هو موضع التكذيب فإنه يعود إليه بعد تقرير ما يقع فيه يعود إليه ليقرر حقيقته الذاتية في تضخيم وتهويل بالتجهيل وبما يصيب النفوس فيه من عجز كامل وتجرد من كل شبهة في عون أو تعاون وليقرر تفرد الله بالأمر في ذلك اليوم العصيب : (وما أدراك ما يوم الدين . ثم ما أدراك ما يوم الدين . يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله . ) والسؤال لتجهيل مألوف في التعبير القرآني وهو يوقع في الحس أن الأمر أعظم جدا وأهول جدا من أن يحيط به إدراك البشر المحدود فهو فوق كل تصور وفوق كل توقع وفوق كل مألوف وتكرار السؤال يزيد في الاستهوال .... ثم يجئ البيان بما يتناسق مع هذا التصوير( يوم لا تملك نفس لنفس شيئا ) فهو العجز الشامل وهو الشلل الكامل وهو الانحسار والانكماش والانفصال بين النفوس المشغولة بهما وحملها عن كل من تعرف من النفوس ( والأمر يومئذ لله ) يتفرد به سبحانه وهو المنفرد بالأمر في الدنيا والآخرة ولكن في هذا اليوم يوم الدين تتجلى هذه الحقيقة التي قد يغفل عنها في الدنيا الغافلون المغرورون فلا يعود بها خفاء ولا تغيب عن مخدوع ولا مفتون ويتلاقى هذا الهول الصامت الواجم الجليل في نهاية السورة مع ذلك الهول المتحرك الهائج المائج في مطلعها وينحصر الحس بين الهولين وكلاهما مذهل مهيب رعيب وبينهما ذلك العتاب الجليل المخجل المـذيـــب .