|
||||||||||||||||||||||||
|
||||||||||||||||||||||||
|
الحلقة الرابعة عشر والتعبير القرآني الفريد يقول
: " علمت نفس " وهو يفيد من جهة المعنى : كل نفس ولكنه أرشق
وأوقع كما أن ألأمر لا يقف عند حدود علمها
بما قدمت وأخرت فلهذا العلم وقعه العنيف الذي يشبه عنف تلك المشاهد الكونية
المتقلبة والتعبير يلقي هذا الظل دون أن يذكره نصاً فإذا هو أرشق كذلك وأوقع وبعد هذا المطلع
الموقظ المنبه للحواس والمشاعر والعقول والضمائر يلتفت إلى واقع الإنسان الحاضر
فإذا هو غافل لاه سادر هنا يلمس قلبه لمسة فيها عتاب رضي وفيها وعيد خفي وفيها
تذكير بنعمة الله الأولى عليه : نعمة خلقه في هذه الصورة السوية على حين يملك ربه
أن يركبه في أي صورة تتجه إليها مشيئته ولكنه اختار له هذه الصور السوية المعتدلة
الجميلة وهو لا يشكر ولا يقدر : " يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم ، الذي
خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك " إن هذا الخطاب : ": يا أيها
الإنسان " ينادي في الإنسان أكرم ما في كيانه وهو " إنسانية " التي
بها تميز عن سائر الأحياء ، وارتفع إلى
أكرم مكان وتجلى فيها إكرام الله له وكرمه الفائض عليه ثم يعقبه ذلك العتاب الجميل
الجليل : " ما غرك بربك الكريم ؟ " يا أيها الإنسان الذي غرك بربك فجعلك
تقصر في حقه وتتهاون في أمره ويسوء أدبك في جانبه . وهو
ربك الكريم الذي أغدق عليك من كرمه وفضله وبره ومن هذا الإغداق إنسانيتك التي
تميزك عن سائر خلقه والتي تميز بها وتعقل وتدرك ما ينبغي وما لا ينبغي في جانبه .ثم يفصل شيئا من هذا الكرم الإلهي ،
الذي أجمله في النداء الموحي العميق الدلالة المشتمل على الكثير من الإشارات
المضمرة في التعبير يفصل شيئا من هذا الكرم الإلهي المغدق على الإنسان المتمثل في
إنسانيته التي ناداه بها في صدر الآية فيشر في هذا التفصيل إلى خلقه وتسويته
وتعديله وهو القادر على أن يركبه في أي صورة وفق مشيئته فاختياره هذه الصورة له
منبثق من كرمه وحده ومن فضله وحده ومنه فيضه المغدق على هذا الإنسان الذي لا يشكر
ولا يقدر بل يغتر ويسدر " يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك
فسواك فعدلك ؟ إنه خطاب يهز كل ذره في كيان الإنسان حين تستيقظ إنسانيته ويبلغ من
القلب شغافه وأعماقه وربه الكريم يعاتبه هذا العتاب الجليل ويذكره هذا الجميل
بينما هو سادر في التقصير سيء الأدب في حق مولاه الذي خلقه فسواه فعدله ... إن خلق الإنسان على هذه الصور الجميلة السوية
المعتدلة الكاملة الشكل والوظيفة أمر يستحق التدبير الطويل والشكر العميق والأدب الجم
والحب لربه الكريم الذي أكرمه بهذه ألخلقه تفضلاً منه
ورعاية ومنة فقد كان قادراً أن يركبه في أية صورة أخرى يشاؤها فاختار له هذه
الصورة السوية المعتدلة الجميلة وإن الإنسان لمخلوق جميل التكوين سوي ألخلقه معتدل
التصميم وإن عجائب الإبداع في خلقه لأضخم من إدراكه هو وأعجب من كل ما يراه حوله
وإن الجمال والسواء والاعتدال لتبدو تكوينه الجسدي وفي
تكوينه العقلي وفي تكوينه الروحي سواء وهي نتناسق في كيانه في جمال واستواء ! وهناك
مؤلفات كاملة في وصف كمال التكوين الإنساني العضوي ودقته وإحكامه وليس هنا مجال
التوسع الكامل في عرض عجائب هذا لتكوين ولكنا نكتفي بالإشارة إلى بعضها .. هذه الأجهزة العامة لتكوين الإنسان الجسدي الجهاز
العظمي والجهاز العضلي والجهاز الجلدي والجهاز البولي والجهاز الدموي والجهاز
التنفسي والجهاز التناسلي والجهاز اللمفاوي والجهاز العصبي والجهاز الهضمي والجهاز الذوق والشم
والسمع والبصر كل منها عجيبة لا تقاس إليها كل العجائب الصناعية التي يقف الإنسان مدهوشاً أمامها وينسى عجائب ذاته وهي أضخم وأعمق وأدق بما لا
يقاس ! تقول مجلة العلوم الإنجليزية: إن يد الإنسان في مقدمة العجائب الطبيعية
الفذة وإنه من الصعب جداً ــ بل من المستحيل ــ أن تبتكر آلة تضارع اليد البشرية
من حيث البساطة والقدرة وسرعة التكيف فحينما تريد قراءة كتاب تتناوله بيدك ثم
تثبته في الوضع الملائم للقراءة وهذه اليد هي التي تصحح وضعه تلقائياً وحينما تقلب
إحدى صفحاته تضع أصابعك تحت الورقة وتضغط عليها بالدرجة التي تقلبها بها ثم يزول
الضغط بقلب الورقة واليد تمسك القلم وتكتب به وتستعمل كافة الآلات التي تلزم
الإنسان من ملعقة إلى سكين إلى آلة الكتابة وتفتح النوافذ وتعلقها وتحمل كل ما
يريده الإنسان واليدان تشتملان على سبع وعشرين عظمة وتسع عشرة مجموعة من العضلات
لكل منهما "وإن جزاء من أذن الإنسان ( الأذن الوسطي
) هو سلسلة من نحو آلاف جنية ( قوس ) دقيقة معقدة متدرجة بنظام بالغ في الحجم
والشكل ويمكن القول بأن هذه ألحنيات تشبه آلة موسيقية ويبدو أنها معدة بحيث تلتقط
وتنقل إلى المخ بشكل ما كل وقع صوت أو ضجة من قصف الرعد إلى خفيف الشجر فضلا عن
المزيج الرائع من أنغام كل أداة موسيقية في الأركسترا ووحدتها المنسجمة "
ومركز حاسة الإبصار في العين التي تحتوي على مائة
وثلاثين مليوناً من مستقبلات الضوء وهي أطراف الأعصاب ويقوم بحمايتها الجفن ذو
الأهداب الذي يقيها ليلاً ونهاراً والذي تعتبر حركة لا إرادية الذي يمنع عنها
الأتربة والحذرات والأجسام كما يكسر من حدة الشمس بما تلقي الأهداب على العين من
ظلال وحركة الجفن علاوة على هذه الرقابة تمنع العين أما السائل المحيط بالعين
والذي يعرف باسم الدموع فهو أقوى مطهر " وجهاز الذوق في الإنسان هو اللسان
ويرجع عمله إلى مجموعات من الخلايا الذوقية القائمة في حلمات غشائه المخاطي ولتلك
الحلمات أشكال مختلفة فمنها الخطية والفطرية والحدسية ويغذى الحلمات فروع من العصب
اللساني ألبلعومي والعصب الذوقي وتتأثر عند الأكل الأعصاب الذوقية فينتقل الأثر
إلى المخ وهذا الجهاز موجود في أول الفم حتى يمكن للإنسان أن يلفظ ما يحس أنه ضار
به وبه يحس المرء المرارة والحلاوة ة والبرودة والسخونة والحامض والملح واللاذع
ويحتوي اللسان على تسعة آلاف من نتوءات الذوق الدقيقة يتصل كل نتوء منها بالمخ
بأكثر من عصب فكم عدد الأعصاب ؟ وما حجمها ؟ وكيف تعمل منفردة وتتجمع بالإحساس عند
المخ ؟ ! ويتكون الجهاز العصبي الذي يسيطر على الجسم سيطرد
تامة من شعيرات دقيقة تمر في كافة أنحاء الجسم وتتصل
بغيرها أكبر منها وهذه بالجهاز المركزي العصبي فإذا ما تأثر جزء من أجزاء الجسم
ولو كان ذلك لتغير بسيط في درجة الحرارة بالجو المحيط نقلت الشعيرات
العصبية هذا الإحساس إلى المراكز المنتشرة في الجسم وهذا توصل الإحساس إلى المخ
حيث يمكنه أن ينصرف وتبلغ سرعة سريان الإشارات والتنبيهات في الأعصاب مائة متر في الثانية " |
|
|||||||||||||||||||||||