الحلقة
11
ويل
للمطففين * الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون * وإذا كالوهم أو وزنوهم يحسرون *
ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون * ليوم عظيم * يوم يقوم الناس لرب العالمين * كلا إن
كتب الفجار لفي سجين * وما أدراك ما سجين * كتب مرقوم
*ويل يومئذ للمكذبين *
الشـــــرح : هذه السورة
تصور قطاعاً من الواقع العملي الذي كانت
الدعوة تواجهه في مكة ـــ إلى جانب ما كانت تستهدفه من إيقاظ القلوب وهز
المشاعر وتوجهها إلى هذا الحدث الجديد في حياة العرب وفي حياة الإنسانية وهو
الرسالة السماوية للأرض وما تتضمنه من تصور جديد شامل محيط هذا القطاع من الواقع
العملي تصورة السورة في أولها وهي تتهدد المطففين
بالويل في اليوم العظيم " يوم يقوم الناس لرب العالمين " كما تصوره في
ختامها وهي تصف سوء أدب الذين أجرموا مع الذين أمنوا وتغامزهم عليهم وضحكهم منهم
وقولهم عنهم : إن هؤلاء لضالون "
وهذا إلى جانب ما تعرضه من حال الفجار وحال الأبرار ومصير
هؤلاء في ذلك اليوم العظيم وهي تتألف من أربعة مقاطع يبدأ المقطع الأول منها
بإعلان الحرب على المطففين "ويل للمطففين " ويل للمطففين الذين إذا أكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون إلا
يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم ؟ يوم يقوم الناس برب
العالمين ؟ويتحدث المقطع الثاني عن الفجار في شجة وردع
وزجر وتهديد بالويل والهلاك ودمغ بالإثم والاعتداء وبيان لسبب هذا العمى وعلة هذا الانطماس وتصوير لجزائهم يوم القيامة وعذابهم
بالحجاب عن ربهم وما أدرك ما سجين ؟ كتاب مرقوم"
ويل يومئذ للمكذبين الذين يكذبون بيوم الدين ومايكذب به
إلا كل معتد أثيم إذا تتلى عليية آياتنا قال : أساطير
الأولين كلا بل ران على قولهم ما كانوا يكسبون كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم
أنهم لصالوا الجحيم ثم يقال : هذا الذي كنتم به تكذبون "
والمقطع الثالث يعرض الصفحة المقابلة صفحة الأبرار ورفعة
مقامهم والنعيم المقرر لهم ونضرته التي تفيض على وجوههم والرحيق الذي يشربون وهم
على الأرائك ينظرون وهي صفحة ناعمة مضيئة : كلا إن كتاب
الأبرار لفي عليين وما أدراك ما عليون ؟ كتاب مرقوم يشهده القربون إن الأبرار
لفي نعيم على الأرائك ينظرون تعرف في وجوههم نظرة النعيم يسقون من رحيق مختوم
ختامه مسك ــ وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ــ ومزاجه من تسنيم . عيناً يشرب بها المقربون .
والمقطع الأخير يصف ما كان الأبرار يلاقونه في عالم الغرور
الباطل من الفجار من إيذاء وسخرية وسوء أدب ليضع في مقابله ما آل إليه أمر الأبرار
وأمر الفجار في علم الحقيقة الدائم الطويل .
" إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون ,وإذا مروا بهم يتغامزون وإذا انقلبوا إلى أهلهم
انقلبوا فكهين وإذا رأوهم قالوا : إن هؤلاء لضالون وما أرسلوا عليهم حافظين فاليوم
الذين آمنوا من الكفار يضحكون على الأرائك ينظرون هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون ؟
والسورة في عمومها تمثل جانباً من بيئة الدعوة كما تمثل جانباً من أسلوب الدعوة في
مواجهة واقع البيئة وواقع النفس البشرية وهذا ما سنحاول الكشف عنه في عرضنا للسورة
بالتفصيل .
" ويل للمطففين : الذين إذا
اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون إلا يظن أولئك إنهم
مبعوثون ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين ؟
تبدأ السورة بالحرب يعلنها الله على المطففين
: " ويل للمطففين " والويل الهلاك وسواء كان المراد هو تقرير أن
هذا أمر مقضي أو أن ÷ذا دعاء فهو في الحالين واحد
فالدعاء من الله قرار وتفسير الآيتان التاليتان معنى المطففين فهم " الذين
إذا اكتالوا على الناس يتوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون " فهم الذين
يتقاضون فهم الذين يتقاضون بضاعتهم وافية وإذا كانوا شراه ويعطونها للناس ناقصة
إذا كانوا بالعين ثم تعجب الآيات الثلاثة التالية من أمر المطففين الذين ينصرفون
كأنه ليس هناك حساب على ما يكسبون في الحياة الدنيا وكأن ليس هناك موقف جامع بين
يدي الله في يوم عظيم يتمنى فيه الحساب والجزاء أمام العالمين " ألا يظن
أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم ؟ يوم يقوم الناس لرب العالمين .
ويتحدث المقطع الثاني عن الفجار في شدة وردع وزجر وتهديد بالويل والهلاك ودمغ
بالإثم والاعتداء وبيان لسبب هذا العمى وعلة هذا الانطماس وتصوير لجزائهم يوم
القيامة وعذابهم بالحجاب عن ربهم كما حجبت الآثام في الأرض قلوبهم ثم بالحجم مع الترذيل والتأنيب (كلا إن كتاب الفجار لفي سجين .
وما أدراك ما سجين كتاب ك مرقوم ويل يومئذ للمكذبين . الذين يكذبون بيوم الدين .
وما يكذب به إلا كل معتد أثيم . إذا تتلى عليه آياتنا قال : أساطير الأولين كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون .
كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون . ثم إنهم لصالوا الجحيم . ثم يقال : هذا الذي كنتم به
تكذبون ). والمقطع الثالث يعرض الصفحة المقابلة صفحة الأبرار ورفعة مقامهم والنعيم
المقرر لهم ونضرته التي تفيض على وجوههم والرحيق الذي يشربون وهم على الأرائك ينظرون . وهي صفحة ناعمة وضيئة : (كلا إن كتاب الأبرار
لفي عليين . وما أدراك ما عليون . كتاب مرقوم . يشهده المقربون . إن الأبرار لفي
نعيم على الأرائك ينظرون . تعرف في وجوههم نضرة النعيم
يسقون من رحيق مختوم . ختامه مسك .
وفي ذلك فليتنافس المتنافسون . ومزاجه من تسنيم عينا يشرب بها المقربون ) . .
والمقطع الأخير يصف ما كان الأبرار يلاقونه في عالم الغرور الباطل من الفجار من
إيذاء وسخرية وسوء أدب ليضع في مقابله ما آل إليه أمر الأبرار وأمر الفجار في عالم
الحقيقة الدائم الطويل : ( إن الذين أجرموا كانوا من
الذين آمنوا يضحكون . وإذا مروا بهم يتغامزون . إذا
انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين . وإذا رأوهم قالوا :إن هؤلاء لضالون . وما أرسلوا عليهم حافظين
. فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون على الأرائك ينظرون
. هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون ؟).. والسورة في
عمومها تمثل جانبا من بيئة الدعوة كما تمثل جانبا من أسلوب الدعوة في مواجهة واقع البيئة . وواقع النفس البشرية وهذا ما سنحاول الكشف عنه في
عرضنا للسورة بالتفصيل ... (ويل
للمطففين : الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم
يخسرون . ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم : يوم
يقوم الناس لرب العالمين ).... تبدأ السورة بالحرب يلعنها الله على
المطففين : ويل للمطففين .. والويل
: الهلاك وسواء كان المراد هو تقرير أن هذا أمر مقضي أو أن هذا دعاء فهو في الحالين واحد فالدعاء من الله قرار .. وتفسر الآيتان
التاليتان معنى المطففين فهم ( الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم
أو وزنوهم يخسرون ) فهم الذين يتقاضون بضاعتهم وافية إذا كانوا شراه ويعطونها
للناس ناقصة إذا كانوا بائعين في الحياة الدنيا وكأن ليس هناك موقف جامع بين يدي
الله في يوم عظيم يتم فيه الحساب والجزاء أمام العلمين :
(ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم . يوم يقوم الناس
لرب العالمين )؟. والتصدي لشأن المطففين بهذا الأسلوب في سورة مكية أمر يلفت النظر . فالسورة المكية عادة توجه اهتمامها إلى أصول العقيدة
الكلية : كتقرير وحدانية الله وانطلاق مشيئته وهيمنته
على الكون والناس .... وكحقيقة الوحي والنبوة وكحقيقة الآخرة والحساب والجزاء مع
العناية بتكوين الحاسة الأخلاقية في عمومها وربطها بأصول العقيدة أما التصدي
لمسألة بذاتها من مسائل الأخلاق كمسألة التطفيف في
الكيل والميزان والمعاملات
بصفة عامة فأمر جاء متأخرا في السورة المدنية عند التصدي لتنظيم
حياة المجتمع في ظل الدولة الإسلامية . وفق المنهج الإسلامي .
الشامل للحياة .... ومن ثم فإن التصدي لهذا الأمر بذاته في هذه السورة المكية أمر يستحق الانتباه وهو يشي بعدة
دلالات متنوعة تكمن وراء هذه الآيات القصار ..... إنه
يدل أولا على أن الإسلام كان يوجه في البيئة المكية حالة صارخة من هذا التطفيف
يزاولها الكبراء الذين كانوا في الوقت ذاته هم أصحاب التجارات
الواسعة التي تكاد تكون احتكارا فقد كانت هنا لك أموال ضخمة في أيدي هؤلاء الكبراء
يتجرون بها عن طريق القوافل في رحلتي الشتاء والصيف إلى اليمن وإلى الشام كما
افتتحوا أسواقا موسمية كسوق عكاظ في موسم الحج يقومون بالصفقات ويتناشدون فيها
الأشعار والنصوص القرآنية هنا تشي بأن المطففين الذين يتهددهم الله بالويل وعلن
عليهم هذه الحرب كانوا طبقة الكبراء ذوي النفوذ الذين يملكون إكراه الناس على ما
يريدون فهم يكتالون (على الناس ) .. لا من الناس فكأن
لهم سلطانا على الناس بسبب من الأسباب يجعلهم يستوفون المكيل والميزان منهم
استيفاء وقسرا وليس المقصود هو أنهم يستوفون حقا إلا فليس في هذا ما يستحق إعلان
الحرب عليهم إنما المفهوم أنهم يحصلون بالقسر على أكثر من حقهم ويستوفون ما يريدون
إجبارا فإذا كالوا للناس أو
وزنوا كان لهم من السلطان ما يجعلهم ينقصون حق الناس دون أن يستطيع
هؤلاء منهم نصفه ولا استيفاء حق ويستوي أن يكون هذا بسلطان الرياسة والجاه القبلي
أو بسلطان المال وحاجة الناس لما في أيديهم منه واحتكارهم للتجارة حتى يضطر الناس
إلى قبول هذا الجور منهم كما يقع حتى الآن في الأسواق فقد كانت هناك حالة من
التطفيف صارخة استحقت هذه اللفتة المبكرة . كما أن هذه اللفته المبكرة في البيئة المكية تشي بطبيعة هذا الدين وشمول
منهجه للحياة الواقعية وشؤونها العملية إقامتها على أساس أخلاقي عميق أصيل في
طبيعة هذا المنهج الإلهي القويم فقد كره هذه الحالة الصارخة من الظلم والانحراف
الأخلاقي في التعامل وهو لم يتسلم بعد زمام الحياة الاجتماعية لينظمها وفق شريعته
بقوة القانون وسلطان الدولة وأرسل هذه الصيحة المدوية بالحرب والويل على المطففين
وهم يومئذ سادة مكة أصحاب السلطان المهيمن لا على أرواح الناس ومشاعرهم عن طريق
العقيدة الوثنية فحسب بل كذلك على اقتصادهم وشؤون معاشهم ورفع صوته عاليا في وجه
الغبن والبخس الواقع على الناس وهم جمهرة الشعب المستغلين لكبرائه المتجرين
بأرزاقه المربين المحتكرين المسيطرين في الوقت ذاته على الجماهير بأوهام الدين
فكان الإسلام بهذه الصيحة المنبعثة من ذاته ومن منهجه السماوي موقظا للجماهير
المستغلة ولم يكن قط مخدرا لها حتى وهو محاصر في مكة بسطوة المتجبرين المسيطرين
على المجتمع بالمال والجاه والدين .
ومن ثم ندرك طرفاً من الأسلوب من الأساليب الحقيقة التي جعلت
كبراء قريش في وجه الدعوة الإسلامية هذه الوقعة العنيدة فهم كانوا ــ ولا ريب ـــ
أن هذا الأمر الجديد الذي جاءهم به محمد ــ صلى الله عليه وسلم ــ ليس مجرد عقيدة
تكمن في الضمير ولا تتطلب كلا لقد كانوا شهادة منطوقة بأن لا إله
إلا الله وأن محمداً رسول الله وصلاة يقيمونها لله بلا أصنام ولا أوثان كلا لقد
كانوا يدركون أن هذه العقيدة تعني منهجاً يحطم كل أساس الجاهلية التي تقوم عليها
أوضاعهم ومصالحهم ومراكزهم وأن طبيعة هذا المنهج لا تقبل مثنوية ولا
تلتئم مع عنصر أرضي غير منبثق من عنصرها
السماوي وأنها تهدد كل المقومات الأرضية الهابطة التي تقوم عليها الجاهلية ومن ثم
شنوا عليها تلك الحرب التي لم تضع أوزارها لا قبل الخجرة
ولا بعدها الحرب التي تمثل الدفاع عن أوضاعهم كلها في وجه الأوضاع البشر في كل جيل
وفي كل أرض يدركون هذه الحقيقة يدركونها جيداً ويعلمون أن أوضاعهم الباطلة
ومصالحهم المغتصبة وكيانهم الزائف وسلوكهم المنحرف هذه كلها هي التي يهددها المنهج
الإسلامي القويم الكريم !
والطغاة البغاة الظلمة المطففون ــ في أية صورة من صور
التطفيف في المال أو في سائر الحقوق والواجبات ــ هم الذين يشفقون أكثر من غيرهم
من سيطرة ذلك المنهج العادل النظيف الذي لا يقبل المسومة ولا المداهنة ولا أنصاف
الحول ؟
ولقد أدرك ذلك الذي بايعوا رسول الله ــ صلى الله علية وسلم
ــ من نقباء الأوس والخزرج
بيعة العقبة الثانية قبل الهجرة : قال ابن إسحاق : وحدثني
عاصم بن عمر بن قتادة أن القوم لما اجتمعوا لبيعة رسول
الله ــ صلى الله علية وسلم ــ
قال العباس بن عبادة بن نضلة
الأنصاري أخو بني سالم بن عوف : يا معشر الخزرج هل تدرون
علام تبايعون هذا الرجل ؟ قالوا : نعم قال إنكم تبايعونه
على حرب الأحمر والأسود من الناس فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت
أموالكم مصيبة وأشرافكم قتل أسلمتموه فمن الآن ! فهو والله إن فعلتم هزي الدنيا
والآخرة وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نهكة
الأموال وقتل الأشراف فخذوه فهو والله خير الدنيا والآخرة قالوا
: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشرف
فمالنا بذلك يا رسول الله إن نخن وفينا ؟ قال : "
الجنة " قالوا : ابسط يدك فبسط يده فبايعوه فقد أدرك هؤلاء ــ كما أدرك كبراء
قريش من قبل ــ طبيعة هذا الدين وأنه قائم كحد السيف للعدل والنصفة
وإقامة حياة الناس على ذلك لا يقبل من طاغية طغيانا ولا من باغ بغياً وال من متكبر
كبراً ولا يقبل للناس الغبن والخسف والاستغلال ومن ثم يحاربه كل طاغ باغ متكبر
مستغل ويقف لدعوته ولدعته بالمرصاد " ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم ؟
يوم يقوم الناس لرب العالمين ؟ وإن أمرهم لعجيب فإن مجرد الظن بالبعث لذلك اليوم العظيم يوم يقوم الناس متجردين لرب
العالمين ليس لهم مولى يومئذ سواه وليس بهم إلا التطلع لما يجريه عليهم من قضاء
وقد علموا أن ليس لهم من دونه ولي ولا نصير إن مجرد الظن بأنهم مبعوثون لذلك اليوم
كان يكفي ليصدهم عن التطفيف وأكل أموال الناس بالباطل واستخدام السلطان في ظلم
الناس وبخسهم حقهم في التعامل ولكنهم ماضون في التطفيف كأنهم لا يظنون أنهم
مبعوثون وهو أمر عجيب وشأن غريب وقد سماهم المطففين في المقطع الأول فأما في
المقطع الثاني فيسميهم الفجار إذ يدخلهم في زمرة الفجار ويتحدث عن هؤلاء يتحدث عن
اعتبارهم عند الله وعن حالهم في الحياة وعما ينتظرهم يوم يبعثون ليوم عظيم "
كلا إن كتاب الفجار لفي سجين وما أدراك ما سجين؟ كتاب مرقوم
ويل يومئذ للمكذبين : الذين يكذبون بيوم الدين وما يكذب به إلا كل معتد أثيم إذا
تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين كلا َ!بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون كلا
إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم إنهم لصالوا الجحيم ثم يقال :
هذا الذي كنتم به تكذبون " إنهم لا يظنون أنهم مبعوثون ليوم عظيم فالقرآن
يردعهم عن هذا ويزجرهم ويؤكد أن لهم كتاباً تحصى فيه أعمالهم .... ويحدد موضعه
زيادة في التوكيد ويوعدهم بالويل في ذلك اليوم الذي يعض
فيه كتابهم المرقوم والفجار هم المتجاوزون للحد في
المعصية والإثم واللفظ يوحي بذاته بهذا المعنى وكتابهم
هو سجل أعمالهم ولا ندري نحن ماهيته ولم تكلف هذا وهو غيب لا نعرف عنه إلا بمقدار
ما يخبرنا عنه صاحبه ولا زيادة ــ فهناك سجل لأعمال الفجار يقول
القرآن : إنه في سجين ثم يسأل سؤال الاستهوال
المعهود ف التعبير القرآني " وما أدراك ما سجين " فيلقي ظلال التفخيم
ويشعر المخاطب أن الأمر أكبر من إدراكه وأضخم من أن يحيط به علمه ولكنه بقوله
" إن كتاب الفجار لفي سجين " يكون قد حدد له موضعاً معيناً وإن يكن
مجهولاً للإنسان وهذا التحديد يزيد من يقين المخاطب عن ريق الايحاء
بوجود هذا الكتاب وهذا هو ثم يعود إلى وصف كتاب الفجار ذاك فيقول إنه " كتاب مرقوم " أي مفروغ منه لا يزاد
فيه ولا ينقص منه حتى يعرض في ذلك : كان " ويل يومئذ للمكذبين " ويحدد
موضوع التكذيب وحقيقة المكذبين : الذين يكذبون بيوم الدين وما يكذب به إلا كل معتد
أثيم إذا تتلى عليه آياتنا قال : أساطير الأولين " فالاعتداء والإثم يقودان صاحبهما إلى التكذيب بذلك اليوم وإلى سوء الأدب مع هذا القرآن فيقول عن آياته حين تتلى
عليه : " أساطير الأولين " لما يحويه من قصص الأولين المسوقه فيه للعبرة والعظة وبيان سنة الله التي لا تتخلف
والتي تأخذ الناس في ناموس مطرد لا يحيد
ويعقب على هذا التطاول والتكذيب بالزجر والردع " كلا " ليس كما يقولون
ثم يكشف عن علة هذا التطاول وهذا التكذيب وهذه الغفلة عن الحق الواضح وهذا الغفلة
عن الحق الواضح وهذا الانطماس في قلوب المكذبين : ( بل ران على قلوبهم ما كانوا
يكسبون ) .. أي غطى على قلوبهم ما كانوا يكسبونه من الإثم والمعصية والقلب الذي يمرد على المعصية ينطمس ويظلم ويرين عليه غطاء كثيف يحجب
النور عنه ويحجبه عن النور ويفقده الحساسية شيئا فشيئا حتى يتبلد ويموت روى ابن
جرير والترمذي والنسائي وابن ماجه من طرق عن محمد بن عجلان عن القعقاع
بن حكيم عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله علية وسلم ــ قال : " إن
العبد إذا أذنب ذنباَ كانت نكتة سوداء في قلبه فإن تاب منها صقل قلبه وإن زاد زادت
قال الترمذي حسن صحيح ولفظ النسائي : إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكت في قلبه نكتة
سوداء فإن هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه فإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه فهو الران الذي قال الله تعالى " كلا بل ران على قلوبهم ما
كانوا يكسبون "
وقال الحسن البصري هو الذنب على الذنب حتى يعمى القلب فيموت
ذلك حال الفجار المكذبين وهذه هي علة الفجور والتكذيب ثم يذكر شيئاً عن مصيرهم في
ذلك اليوم العظيم يناسب علة الفجور والتكذيب " كلا إنهم عن ربهم يومئذ
لمحجوبون ثم إنهم لصالوا الجحيم ثم يقال : هذا الذي كنتم
به تكذبون لقد حجبت قلوبهم المعاصي والآثام حجبتها عن الإحساس بربها في الدنيا
وطمستها حتى أظلمت وعميت في الحياة فالنهاية الطبيعية والجزاء الوفاق في الآخرة أن
يحرموا النظر إلى وجه الله الكريم وأن يحال بينهم وبين هذه السعادة الكبرى التي لا
تتاح إلا لمن شفت روحه ورقت وصفت واستحقت أن تكشف الحجب
بينها وبين ربها ممن قال فيهم في سورة القيامة .