|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
4-
الاهتمام بأصول الدين وكلياته: من حكمة الله تعالى أن جعل تكاليف هذا
الدين على درجات، فجعل للدين أصولاً يُبنى عليها، وهي الأركان، وشرع أموراً لا بد
منها للاستفادة من هذا البناء، وهي الواجبات، وشرع أموراً تحسينية يكمل بها
البناء، ويجبر ما عسى أن يكون فيه من نقص، وهي المستحبات، وحرم على المسلم ما يضر
بهذا البناء ويعيبه وهي المحرمات، ونهاه عما يؤثر على كماله، وهي المكروهات. وجعل لكل درجة من هذه الدرجات منزلة من الدين بحيث توضع في مكانها من
الأهمية، وقد يترتب عليها أحكام أخرى. ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته إلى هذا الدين يدعو أولاً إلى
إحكام أصوله وأركانه حتى ينمو بناء الإيمان لدى المسلم، ويتكّون لديه الوازع
الديني، فإذا قام البناء قوياًّ بأركانه سهل بعد ذلك إكماله. ومن الأدلة
على أن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ دعوته بالدعوة إلى أركان الإسلام ما أخرجه
الشيخان من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول صلى الله عليه
وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: إنك ستأتي قوماً أهل كتاب، فإذا جئتهم
فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإنْ هم أطاعوا لك
بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك
بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن
هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينه وبين
الله حجاب". وإن من واجب الدعاة أن يتأسوا برسول الله
صلى الله عليه وسلم في دعوته بحيث يدعون المسلمين إلى أداء أركان الإسلام أداء
متقناً، حيث إن هذه الأركان تؤدَّى غالباً بشكل ناقص وغير حيوي ولا مؤثر في توجيه
السلوك نحو الالتزام بمكارم الأخلاق. ثم تكون الدعوة إلى الواجبات بنسب متكافئة بحيث لا يكون التركيز على
الواجبات الظاهرة مثلاً كصلاة الجماعة وإعفاء اللحى وتقصير الثياب فوق الكعبين،
بحيث تُهمل الواجبات الأخرى كبرِّ الوالدين وصلة الأرحام والإحسان إلى الجيران
وإتقان العمل الذي يكون الإنسان مسئولاً عنه. إن التكاليف الشرعية لَبنات متعددة يقوم بها البناء، فإذا كان التركيز على
لَبنات معينة فإن جزءاً من البناء يكون قوياًّ متماسكاً، وأجزاء منه تكون ضعيفة
متهافتة. لقد جرى عرف بعض الدعاة على تخصيص بعض الواجبات والسنن الظاهرة بالاهتمام،
والحكم على من طبقها بأنه ملتزم وإن أهمل الواجبات الشرعية الأخرى أو بعضها والحكم
على من لم يطبقها بأنه غير ملتزم وإن طبق الواجبات الأخرى، وهذا يجعل الصغار
المبتدئين في الالتزام يهتمون بهذه الواجبات والسنن أكثر من اهتمامهم بالواجبات
الأخرى بل ربما أكثر من اهتمامهم بالأركان. وحينما تكون هذه الواجبات والسنن الظاهرة التي يدعو إلى تطبيقها بعض
الدعاة غير مطبقة في المجتمع بشكل بارز فإن الذين يطبقونها يَظهرون بمظهر التميز
عن مجتمعهم ويتعرضون للتساؤل والإنكار من أفراد مجتمعهم، وهذا لا غبار عليه لدى
الكبار الذين أحيوا هذه الواجبات والسنن مع أدائهم للفرائض والواجبات الأخرى حيث
تكوَّن لديهم الإيمان القوي الذي لا يتأثر بموافقة المجتمع أو بمخالفته، بل إن
إحياء هذه الواجبات والسنن الظاهرة مطلوب من هؤلاء لأنهم موضع القدوة. أما الصغار فإنهم لن يواجهوا بمجرد الإنكار بل ربما يواجهون بالازدراء
والسخرية نظراً لصغر سنهم، وبعضهم يكونون تجاه ذلك بين فريقين، فريق يستجيب لضغط
المجتمع من حوله فيترك الالتزام بهذه الواجبات والسنن، وحيث إن التدين عنده قد
اقترن أساساً بتلك التكاليف الظاهرة، فإنه ربما ترك الالتزام بالدين فكانت دعوته
إلى الالتزام بتلك التكاليف قبل محاولة تقوية إيمانه فتنة له عن الدين. وفريق يستمر على التزامه بها وتحديه للمجتمع، وهؤلاء نظراً لصغر سنهم قد
يصابون بالكبر والغرور حينما يرون أنهم بالتزامهم بهذه الواجبات والسنن الظاهرة قد
أصبحوا أفضل ممن حولهم من الكبار وإن كان لهؤلاء الكبار من أعمال الخير والبر ما
لا يستطيع هؤلاء الصغار أن يصلوا إليه إلا بعد سنوات. وحين يصابون بذلك تقسو قلوبهم شيئاً فشيئاً بحيث لا يتأثرون كثيراً
بالمواعظ، وتسوء معاملتهم للناس فيعاملونهم بعنف، لأنهم يرون أنهم أعلى منهم في
الدين وإن كان من يتناقشون معه من العلماء أحياناً. وفي مقابل هؤلاء الذين يركزون على هذه الواجبات والسنن الظاهرة نجد فريقاً
من المفرِّطين الذين يسخرون من أولئك الملتزمين ويهزؤون بهم، فأحياناً يسمونهم
بأسماء مبتذلة يُفهم منها تحقيرهم والتهوين من شأنهم، وأحياناً يشبهونهم ببعض
الكفار فيشبهون من يلتزمون بإعفاء اللحى بفئات من الكفار قد التزموا بإعفاء
اللحية، ويشبهون من يقصرون ثيابهم بفئات من الكفار يفعلون ذلك مع اختلاف المقاصد. وهذا العمل السيء الذي يقوم به هؤلاء في غاية الخطورة على دينهم لأن
المؤمنين الذين التزموا بتكاليف الإسلام الظاهرة إنما التزموا بها وقاوموا مجتمعهم
ابتغاء وجه الله تعالى حيث اقتنعوا بأنها تكاليف إسلامية، وأن من واجبهم أن
يحيوها، فالذي يسخر منهم من أجل التزامهم بهذه التكاليف إنما يكون قد سخر من
الإسلام نفسه. |
|
||||||||||||||||||||||