|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
3- توحيد الهدف والمنهج والاجتماع عليهما: فالهدف السامي الذي يجب
أن يعرفه المسلمون جميعاً ويسْعَوا جاهدين لبلوغه هو
ابتغاء رضوان الله تعالى والجنة، قال تعالى ممتدحاً صحابة رسوله صلى الله عليه
وسلم ¼ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ
اللَّهِ وَرِضْوَاناً » [ الفتح:29 ، الحشر:8
]،
ففضل الله هو الجنة ورضوان الله أكبر من ذلك. فالذين يُظهرون الإسلام وهم في قرارة نفوسهم لا
يريدون الوصول إلى هذا الهدف ليسوا مسلمين حقّاً، وإنما هم منافقون، فهؤلاء خارجون
عن نطاق الأخوة الإسلامية، وليسوا من جماعة المسلمين، سواء ظهر منهم دعوة إلى مذهب
من مذاهب الكفر، أو كانوا نفعيين يريدون بإظهار الإسلام تأمين مصالحهم في الحياة
الدنيا. والذين يعرفون هذا الهدف ويسعون لبلوغه يجب أن يتحدوا جميعاً في المنهج
الموصل لهذا الهدف، وذلك بأن يلتزموا بالكتاب والسنة على مثل ما كان عليه رسول
الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فإن هذا هو المصدر الوحيد لتلقِّي هذا الدين
الموصل إلى الهدف السامي. فمن ادعى بأنه يستطيع الوصول إلى الهدف السامي المذكور عن غير الطريق الذي
سار عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فلا يكون من جماعة المسلمين، ولا
تنطبق عليه الأخوة الإسلامية، لأنه قد ادعى باطلاً وهو في الآخرة من الخاسرين. أما من كان حريصاً على بلوغ الهدف السامي المذكور وكان ملتزماً بالمنهج
الإسلامي فإنه يكون عضواً في جماعة المسلمين، تنطبق عليه الأخوة الإسلامية بكل ما
فيها من مزايا والتزامات سواءً أصاب في كل تفاصيل هذا المنهج أو أخطأ في بعض
تفاصيله من غير أن يتعمد مخالفة ما جاء عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم. ومن هنا نعرف أن الأخوة الإسلامية تنطبق على المسلمين جميعاً ما داموا مسلمين
ولم يصدر منهم ما يخرجهم من الإسلام. وعلى هذا فإن المسلمين إذا اختلفوا في أمر لا يُخرج من الإسلام فإن
أخوَّتهم الإسلامية تبقى حتى مع اختلافهم، ويجب عليهم أن لا يرتكبوا
أمراً من الأمور التي تؤدي إلى إضعاف الانتماء للأخوة الإسلامية من التباغض
والتقاطع والتهاجر والبراء
ونحو ذلك. ومما يدل على بقاء
الأخوة الإسلامية بين المسلمين حتى مع ارتكاب كبائر الذنوب قول الله تعالى ¼ وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا » [ الحجرات:9 ] فوصفهما الله سبحانه
بالإيمان مع ارتكابهما لهذا الذنب الكبير، ثم يقول
تعالى بعد ذلك¼ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ
فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ» [ الحجرات:10 ] فجعل
الطائفتين المتقاتلتين إخواناً للمؤمنين. وبهذا نعلم أن الله تعالى لم يضيق دائرة الأخوة الإيمانية فلم يقصرها على كاملي
الإيمان، بل أدخل في ساحتها الرحيبة من هبطت به طبيعته البشرية عن آفاق السمو نحو
الالتزام الكامل فاقترف بعض الآثام التي لا تصل إلى حد الكفر. وإذا كان المؤمنون إخوة فإنه لا يجوز لهم إضمار البغض والكراهية لإخوانهم وإن
اختلفوا معهم في بعض الأحكام الدينية ما دامت الأخوة الإيمانية باقية بينهم. وإنما الواجب في حال وقوع الخلاف في الدين بين المؤمنين أن يجتمعوا ويبحثوا القضايا المختلف فيها ويردوا ذلك إلى الكتاب والسنة،
فإن أصرَّ المخالف على اتباع الباطل وهو يعلم أنه باطل
وإنما يتبع هواه فيجب على المؤمنين أن يظهروا عداوته وبغضه حتى يرجع عن غيه ويسلك
طريق المؤمنين، أما إن أصر على موقفه وهو يعلم أنه الحق ولم يظهر منه ما يدل على
أنه ممن يتبع هواه بغير حق فلا يجوز أن نتَّخذ منه موقفاً معادياً ولا أن نضمر
بغضه ما دام مسلماً. ومن هذا العرض يتبين لنا الأثر الواضح لوحدة الهدف والمنهج في تقوية
الأخوَّة الإسلامية وتثبيتها فإن اتحاد الهدف يشد المسلمين جميعاً من أجل الوصول
إليه وإذا عرفنا أن سبيل الوصول إليه يفرض على الساعين لبلوغه أن يتآخوا فيما
بينهم وأنَّ أي اختلاف بينهم أو تقاطع يؤثر على سرعة وصولهم إليه فإننا نعرف
بالتالي أثر وضوح هذا الهدف والإخلاص له في تثبيت الأخوَّة الإسلامية. وإذا عرفنا أيضاً أن لهذا الهدف منهجاً واحداً يوصِل إليه لا أكثر فإننا نعرف
ضرورة التزام المسلمين جميعاً بهذا المنهج القويم. وبضد ذلك الأهداف الأخرى الدنيوية فإن الوصول إليها يفرض التنافس والتحدي بين
العاملين لها لأنها تكون لمن ظفر بها قبل غيره، ولذلك فإن الوصول إليها يفرض
الاختلاف والعداوة والتخلق بالأخلاق السيئة. ومن هذا يتبين لنا أن كثيراً من المسلمين لا يعملون مخلصين للهدف السامي
المذكور وإنما يعملون غالباً لأهداف دنيوية قريبة، ولذلك يكثر بينهم الشقاق
والتناحر، ويظهر التنافس البغيض حتى بين العاملين في حقل الدعوة الإسلامية لأن
الأهداف الذاتية قد تغلب أحياناً على الهدف السامي فتكون تصرفات الدعاة منبثقة من
إرادة المصالح الذاتية، سواء في ذلك المصالح الشخصية أو مراعاة سمعة الجماعة التي
ينتمي إليها الداعية، وهذا يؤثر كثيراً على سير الدعوة الإسلامية ولا بد من
الإلحاح على تحرير الهدف السامي من مخالطة الأهداف الأخرى حتى يتم التوفيق بين
المسلمين جميعاً، وخصوصاً بين العاملين في الدعوة إلى الله تعالى. |
|
||||||||||||||||||||||